عنــاويـــنُ كُتُبــيَ ليســـــ

أرسل رأيك أو مقالك هنا

عنــاويـــنُ كُتُبــيَ ليســـــ

Postby editor » Fri Jun 05, 2009 4:05 pm


عنــاويـــنُ كُتُبــيَ ليســـــتْ لـــي ... !


رجب سـعد السـيد

حلســتُ أراجـعُ قائمة اصداراتي، فاكتشـفتُ أنني كنت ضعيفاً ازاء الناشرين وادارات النشر، فيما يخُصُ اختيـار عناوين الكتب. ويتهمني بعضُ أصدقائي بالتخاذل تجاه حق اصيـل من حقوقي كمؤلف، وهو اختيار عنوان كتابي. وأحاولُ الآن ابعـادَ هذا الاتهـام، والتماس الأعذار، لنفسي، فيما جرى معي.

لقد بدأ تساهُلي مع المسئولين عن النشر منذ كتابي الأول، وكان عن تلوث البيئة، وصدر عام 1978 في سلسلة (كتابك)، عن دار المعارف بالقاهرة؛ وكنتًُ قد اخترتُ له عنواناً، هو (اعلان الحرب العالمية ضد التلوث)، لم يعجب صديقي، الشاعر الكبير أحمد سويلم، وكان مديرا لتحرير السلسلة، فاختصره الى (الحرب ضد التلوث)، وأبلغني بالتعديل بعد أن تمت الموافقة على نشره. وقد غالبتُ، وقتها، احساسا بالحزن لتدخل آخرين في تحديد اسم أول مولود لي؛ ولم ألبثْ أن أقنعتُ نفسي بالقبول، لأكثر من سبب؛ أولها أن من تدخل بالتغيير صديقٌ عزيز؛ وثانيها أن الاسم الجديد يبدو معقولاً، ولا يزالُ قادراً على التعبير عن محتوى الكتاب؛ وثالثها أن السبب الفني وراء التغيير كان منطقياً، وهو طول الاسم وعدم تناسبه مع مساحة الصفحة في تلك السلسلة، وكانت من القطْعِ الصغير، وأقربُ الى كتاب الجيب؛ ورابعاً لأنني كنت حريصاً على أن اقدم نفسي للحياة الثقافية ككاتب علمي، من خلال هذه السلسلة الشعبية واسعة الانتشـار؛ وأخيراً كانت الحاجة ماسـة الى مكافأة النشر، وقدرها مائة جنيه، وكانت تمثل مبلغاً لا بأس به، بأسعار ذلك الوقت، حيث كان راتبي الشهري من وظيفتي كمسـاعد باحث بأحد معاهد وزارة البحث العلمي، لا يتعدى الثلاثين جنيهاً؛ وكان ذلك المبلغ اسهاماً مؤثراً في نفقات استعدادي للزواج !. وعلي أي حال، فقد سعيتُ لاعادة اصدار الكتاب، فقدمتُه لدائرة النشر في بغداد، ونُشِـرَ فعلاً، وان كنتُ لم أرَ نســخة واحدة منه، حتى هذه اللحظة، وانما علمتُ باصداره عبر رسالة وصلتني من قارئ عراقي، أخبرني فيها بظهور الكتاب هناك، وهو يحمل عنوانه الأصلي (اعلان الحرب العالمية ضد التلوث)، ويسألني أن أمده بمعلومات اضافية وببعض المراجع. وقد يكون العنوان صادف هوىً لدي المسئولين في دائرة النشر التابعة لوزارة الثقافة العراقية، اذ كان العراق خارجا لتوه من حربه مع ايران، ويحتشدُ ليعلن حربه على الكويت.

وكان من حظي أن يرتقي صديقي أحمد سويلم السلم الوظيفي ويشغل منصبَ نائب مدير ادارة النشر في دار المعارف، فمديرا لها. وحملتُ اليه كتابي الجديد، أقدمه للنشر في السلسلة العريقة (اقرأ)، التي أسسها ودشنها الدكتور طه حسين. وبعد زمن قصير، أخبرني أحمد سويلم بأن الكتاب في المطبعة. يا لفرحتى !. واستطرد، فقال، لقد غيرتُ العنوان .. أنت تعرف أن اقرأ سلسلة شعبية، وكان عنوانك غير جذاب، فهو – بلغة التوزيع – (لا يبيــع)؛ وقد أخذتُ عنوان أحد الفصول وأطلقتُه على كل الكتاب !.

وكان العنوان الذي اخترتُه لكتابي هو (مسائل بيئية)، أما اختيار أحمد سويلم فكان (الأرضُ .. شفاها الله)؛ وقد فاز الكتاب، وعليه عنوان سويلم، بجائزة أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، في العام 1994. ولكني لم أهمل عنواني (مسائل بيئية)، فعدتُ اليه في كتاب آخر، يعد امتداداً لكتاب (الأرض شفاها الله)، وأصدرته سلسلة (العلم والحياة)، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة، بالعام 1994، ثم صدرت طبعة ثانية منه في مشروع مكتبة الأسرة، سلسلة (البيئة)، عام 1999؛ وقد نفدت الطبعتان، أما (الأرض شفاها الله)، فلا يزال معروضاً على أرفف منافذ البيع لدار المعارف، حتى يومنا هذا !.

وكنت أحسبُ أن دار المعارف هي نقطة ضعفي الوحيدة، في وجود صديقي أحمد سويلم، الى أن تبينتُ أن الناشرين كأنهم قد انفقوا على تغيير عناوين كتبي؛ فقد نشرت لي احدى دور النشر الخاصة بالقاهرة كتاباً عنوانه (أجراس الخطر والكوارث الطبيعية)، وهو أبعد ما يكون عن التعبير عن محتوى الكتاب؛ وكان العنوان الأصلي هو (قراءات في مكتبة البيئة)، لأن فصول الكتاب هي بالأصل عروضٌ لكتب متنوعة في الشأن البيئي، وأحدها لكتاب عن الكوارث الطبيعية. ولم أعلم بالتغيير الا بعد أن جاءني عقدُ الكتاب ومعه النُسخُ المهداة لي. وامعاناً في (حرية التصرف)، لم يكتف الناشر بتغيير عنوان الكتاب، فغير من صفتي، وألصق باسمي لقب (دكتور)، لاعتقاده أن ذلك سيرفعُ من أسهم الكتاب في السوق؛ وقد تضررتُ من ذلك، اذ اتهمني واحدٌ ممن يصطادون في المياه العكرة بانتحال اللقب العلمي.

واستمرت حالة الخضوع لسياسات التوزيع في دار المعارف، حتى بعد تقاعد أحمد سويلم، فغيرت ادارة النشر الثقافي عُنوانَيْ كتابين لي صدرا في سلسة (اقرأ)، هما (البيئة وصحة الانسان) – 2004 – وكان عنوانه الأصلي (ربيعٌ صامتٌ آخر)؛ و (حكايات من القديم والحديث) – 2009 – وكان عنوانه (الاسكندرية الغارقة). وكان الأستاذ رجب البنا، رئيس تحرير السلسلة وقت صدور الكتاب الأول هو من طلب تغيير عنوانه، متحججاً بأنه يشبه اسم مسلسل تليفزيوني كان يذاع آنذاك، هو (نصف ربيع الآخر)، بالرغم من أنني أشرتُ في مقدمة الكتاب الى أن الاسم مستوحىً من اسم كتاب (الربيع الصامت)، لرائدة الكتاب البيئيين "راكيل قارصون"، والذي كان بداية الوعي العالمي بأخطار المبيدات على البيئة؛ وكان كتابي يقولُ ان ربيعاً صامتاً آخر ينتظرُ البشَـرَ، وقد يكون أعمي وأصم وأبكم أيضاً، لأن الاسـاءة الى البيئة مستمرة.

والحقيقة هي أنني، في كل ما سبق من أمثلة، كنت أعزي نفسي بأن الكتابة العلمية تحتملُ أن يتدخل فيها آخرون بالرأي وبالتغيير، استجابة لعوامل حاكمة، كطبيعة القارئ واحتياج السوق؛ وحسبتُ أن الأمر سيختلف عند نشر كتبي الابداعية، في القصة والرواية وأدب الطفل، غير أن تدخلات السادة الناشرين استمرت، وكان ذلك منذ أول كتاب قصصي نشر لي في سلسلة (المواهب) – وزارة الثقافة – 1996؛ وكنت اخترتُ لمجموعتي القصصية الأولى عنوان : (الرياحُ تمـلأُ الأشــرعة الرماديـة)؛ ورأيته مناسباً لقصص مترعة بالحزن، وهي ترصُـدُ التبدلات الحادة في المجتمع المصري، التي أعقبت أكتوبر 1973. وقد تبدل العنوان الى (الأشرعة الرمادية)، وأقنعني الصديقان القاصان "أحمد الشيخ" و"صلاح عبد السيد"، المشرفان على السلسلة، بأن الاسم المعدل أفضل، ويحملُ ذات الدلالة؛ ولم يكن أمامي الا القبول، لأنني كنتُ قد تأخرتُ كثيراً في اصدار أول كتبي الابداعية.

كذلك فان عنوان كتابي الروائي (نقوش الدم) ليـس لـي، وانما هو للأديب الأستاذ عبد العال الحمامصي، شفاه الله، وكان رئيسا لتحرير السلسلة التي أصدرت الكتاب، وهي (اشراقات أدبية) – الهيئة المصرية العامة للكتاب، في عام 1987. وكان الكتاب يحتوي على قصتين طويلتين، أو روايتين قصيرتين، تسـجلان لمعارك أكتوبر 73؛ وكان عنوانه الأصلي (قصتـان من أكتوبر)؛ والتقط الحمامصي اسم (نقوش الدم) من بين سطور الرواية الأولى، وأطلقه –دون الرجوع الي – على الكتاب. وأنا أحمل لعبد العال الحمامصي مودة خاصة، وأعترفُ بأن عنوانه أبلغُ من عنواني في التعبير عن مضمون هذا الكتاب.

ولم تسلم كتبي الموجهة للطفل من التدخل، وقد حدث ذلك مرتين، في سلسلة واحدة، هي (كتب الهلال للأولاد والبنات). في المرة الأولى، غيرت رئيسة التحرير عنوان مجموعتي القصصية من (علاء الدين يرتادُ الفضاء)، الى (أريدُ أن أطيـرَ في الفضـاء). وقد استدعتني السيدة المحترمة، واستأذنتني في التغيير الذي تراه، فوجدتُ عنوانها أفضل، فقبلتُ به، وظهرت المجموعة في ديسمبر 1990. أما المرة الثانية، فهي مؤسفة جداً، لأن التدخلَ فيها ارتبط بالاهانة. فقد تقدمت للسلسلة، وقد أصبح رئيس تحريرها كاتبٌ من مدينتي – الاسكندرية – اجتذبته القاهرة بأضوائها، فانتقل اليها وحقق انتشارا كمياً واسعاً. وضعـتُ بين يديه مجموعة من عشر قصص مترجمة، سبقَ أن نُشِـرتْ مفردة في كبريات مجلات الأطفال العربية، وجعلتُ عنوانها (دفتر الحكايات – قصص من شعوب العالم)؛ وفوجئتُ به يستبعدُ أربعة منها، وينشر الباقي في عدد من السلسة، بمشاركة كاتب آخر، ويغير في عناوين قصصي، ويضع للكتاب عنوانا من عنده. وكان ذلك بمثابة الصدمة لي، فقد كنت أعده صديقاً، وقد تصرف على هذا النحو المؤسف وكأنني غير موجود. وهذه هي الحالة الوحيدة التي آلمتني بشدة، حتى أنني بعثتُ برسالة الى رئيس مؤسسة دار الهلال وقتها، مكرم محمد أحمد، أحتجُ فيها على سلوك رئيس تحرير تلك السلسلة، وأعلمه فيها بأنني أعتبر الكتاب كأن لم يكن، وأحتفظُ بحقي في اعادة نشره أينما ووقتما أريدُ؛ وامتنعتُ عن اجراءات التعاقد؛ ولم أتلق من دار الهلال رداً، حتى الآن !

وأخيراً، أحمد الله على أن تسعة عناوين، فقط، اختارها لي آخرون، وهو عدد لا يزيد عن خُمس عناوين اصداراتي؛ على أمل أن أوقف تدخل الناشرين، مستقبلاً، مهما كانت حججهم !
editor
 
Posts: 81
Joined: Fri Nov 07, 2008 9:26 am


Return to Articles and Views/ مقالات وأراء

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 1 guest

cron