25 يناير ، وتجربتى مع رواية الحب والزمن

Share your opinion on any book you may have read.
هل قرأت كتابا أعجبك؟ أو لم يعجبك؟ ابعث لنا برأيك فى هذه الصفحة

Moderators: nihadsirees, Jihan, sahartawfiq, weamnamou

25 يناير ، وتجربتى مع رواية الحب والزمن

Postby Said Salem » Wed Nov 02, 2011 1:51 pm

25 يناير ، وتجربتى مع رواية "الحب والزمن"

سعيد ســـالم
****
Image

المعلم مراد صاحب المقهى ،أو الحاج مراد عامر ، أو مراد بك (المهندس الكبير سابقا) ، انسان وجد حلا للمعضلة الانسانية الأزلية ، حيث نجح فى الجمع بين عشقه الشديد للحياة الحرة المتجددة التى تجلب السعادة، وبين الاخلاص فى البحث لنفسه عن منزلة عند الاله. هو عدو لدود للثبات والجمود والتحجر ، سواء على مستواه كفرد أو على مستوى مجتمعه المنكوب بحكم طاغية مستبد تؤازره مجموعة من الفاسدين. ورغم أنه نجح تماما فى اجراء تغيير انقلابى غير عادى على مستويات حياته الاقتصادية والاجتماعية والعاطفية، مدركا – بعد نجاحه - أن كل من لديه الارادة لتغيير واقعه ، لابد أن يكون قادرا على تغيير مجتمعه.. الا أنه يصدم بالعجز والاستسلام واليأس والخنوع من جانب المجتمع أمام طغمة من اللصوص والمنافقين، تراجعوا بقدرات البلاد الى وراء بعيد ، بعد أن نهبوها وأفشلوها عن جدارة.
وبينما يسترجع المعلم مراد مذكراته عن النكسة ، والتى كتبها منذ أربعين عاما ، فإنه يكتشف من تتبعه لمظاهرالانهيار المعاصرة ، أن البلاد مقدمة على كارثة محققة تهون أمام آثارها المدمرة آثار النكسة القديمة.. ومن هنا فإنه يتخذ اتجاها تحريضيا فى دوائر حركته الحياتية بين المقهى- الذى اشتراه بمباركة من زوجته دكتورة الفلسفة- والبار – حيث شلة الأنس القديمة التى لم يفارقها حتى بعد مفارقته الخمر- والشاطىء - حيث صديقته أم فؤاد صاحبة أصغر عشة على الأنفوشى وأضخم صدر بين نساء الاسكندرية - والمسجد – حيث الشيخ قناوى وكوارعه التى ترمّ الركب - ، محاولا كسر جمود الناس وتخاذلهم واستكانتهم ، وعجزهم عن الفعل. وهو يؤسس فكره التحريضى المباشر وغير المباشر بإطلاعهم على نماذج من أحداث ومواقف اجرامية غير مسبوقة للمسئولين ، قام بتجميعها من مصادره الخاصة وبوسائله الخاصة، لعله يستفز بها الناس فيثورون لتغيير حياتهم حتى يعيشوا فى سعادة كبقية الخلق فى معظم أنحاء الدنيا..لكنهم أبدا لايثورون..
كانت هذه كلمة مختصرة عن فكرة الرواية ، والتى نشرت فى يونيه 2007 على حلقات مسلسلة بجريدة الدستورالمصرية، حيث لم يكن يجرؤ رئيس تحرير جريدة معارضة فى مصر – عدا ابراهيم عيسى - أن ينشر مثلها على الاطلاق ، وأنا لايمكن أن أنسى توسلات زوجتى ألا أنشرها ، محذرة إياى من السجن والضرب والتعذيب ، حيث كانت سلطات الأمن التى لاتعمل الا فى خدمة الرئيس وأسرته فى حالة سعار جنونى ضد الفكر والمفكرين والكتاب المعارضين الأحرار ، وحيث كانت حالتى الصحية فى الحضيض على أثر جلطة حادة بالقلب داهمتنى بمجرد الانتهاء من كتابة الرواية..كان ردى عليها بالحرف الواحد:
- أموت وتنشر هذه الرواية ، لأنها لو لم تنشر الآن سأموت بالفعل !
ثم أعطيتها كشفا بمجموعة أسماء من أصدقائى الصحافيين الأحرار ، مازلت أحتفظ به حتى اليوم، طالبا منها الاتصال بهم بعد اعتقالى ، لإعلان الخبر على الرأى العام .
****
كتبت هذه الرواية على مستويين متوازيين. المستوى الأول مرتبط بذكريات نكسة1967 والثانى بإرهاصات النكسة القادمة التى كنت أتنبأ بوقوعها لو استمرت الأمور فى سيرها على ذلك النحو من الانهيار والتراجع.. ولهذا فإن الشكل الفنى كان أشبه بقفزات السيناريو السينيمائى بين المستويين ،والذى حاولت من خلاله عرض نماذج مفجعة من الفساد ، على شكل بنود مرقمة فى بعض الأحيان ، وأحيانا على شكل تقارير تسجيلية قمت بتجميعها على مدى عامين من جرائد المعارضة ومن الصحافة العالمية ، وأحيانا كنت أدمج وقائع أحداث الفساد المعاصرة لكتابة الرواية فى بنيان الرواية دمجا أتصور أنه كان فنيا وبغير تعسف . ولسوف أكتفى بذكر واقعة واحدة من وقائع الفساد التى أدمت قلبى ، إذ أمر رئيس مجلس ادارة شركة خدمات البترول الجوية بإعداد طائرة تسع خمسين فردا، جهزت بأحدث أطقم"السرفيس" المستوردة لزوم السادة ركاب هذه الطائرة ، دفعت تكلفتها من المال العام المتروك فى يده، كما لو كان ملكية خاصة، وذلك لنقل وزير البترول وأسرته، ونائب رئيس مجلس الوزراء وأسرته، من القاهرة الى مرسى مطروح لقضاء المصيف هناك.. ويا الهى فقد نسيت زوجة الوزير حقيبتها بالقاهرة، وعلى الفور أصدر سيادته أمرا بإقلاع طائرة أخرى سعة اثنين وخمسين راكبا لحمل حقيبة الهانم فقط واعادتها الى مرسى مطروح..وقد أقلعت الطائرتان فى اليوم نفسه خاليتين بلا ركاب!!.
الجديد فى تجربتى مع "الحب والزمن" دونا عن سائر رواياتى السابقة ، هو أننى كنت طوال كتابتى لهذه الرواية ، وطوال نشر حلقاتها الثلاثة عشرة أسبوعيا بجريدة الدستور، أتخيل رجال الأمن والمباحث وهم يقتحمون بيتى فجرا كما اعتادوا بحقارتهم ودناءتهم منذ أن ابتليت مصر بحكم العسكر ،.. ورغم ذلك فقد انقلب الأمر معى الى تحد وعناد ، وأصبحت مسألة شخصية الى جانب كونها مسألة عامة، إذ استبد بى اعتقاد راسخ بأننى لو لم أفعل ما أفعل ، فسوف أمضى بقية أيام حياتى شاعرا بالجبن والتخاذل ، الى جانب الشعور بالذنب لجريمة السكوت عن الحق والخوف من مواجهة السلطان الجائر، كما استبد بى إحساس يقينى بأنى بعد الانتهاء من كتابة هذه الرواية ونشرها سوف يشفينى الله من الأمراض الخطيرة الأخرى التى كنت أعانى منها قبل الجلطة (وهذا ماتحقق بالفعل فيما يشبه الأعجوبة) ، وسوف أموت راضيا عن نفسى ، شاعرا أننى أديت رسالتى وقمت بدورى فى تسخير الموهبة التى منحنى الله إياها لخدمة وطنى الحبيب. ولست أبالغ لو قلت أننى لشدة فرحتى بنجاح الثورة لم أعد راغبا فى كتابة أى شىء الآن والى أجل غير مسمى .
****
أشار الدكتور حامد أبو أحمد مؤخرا فى حوار له بجريدة الأهرام حول الكتاب والثورة الى أننى ذكرت فى رواية"الشىء الآخر" – التى صدرت عن مكتبة المعارف ببيروت عام2004 - أن هناك عصابة مكونة من أربعين شخصا هى التى تحكم مصر الآن ، وأن هناك عجز مطلق لدى الشعب عن مقاومة هذه العصابة.. ورغم ذلك فكان خوفى من بطش السلطات يدفعنى الى استخدام الرمز حين التعرض لأسماء بعينها ، الى أن وصلت مأساة سرقة البلد الى ذروتها ، فلم يكن هناك بد من التحرر من الخوف الى الأبد.
وفى دراسة للدكتور السعيد الورقى عن رواية "المقلب"- التى صدرت عام2009 عن المجلس الأعلى للثقافة،قال: ان الانسان فى أعمال سعيد سالم هو ابن الأرض الذى شكلته الظروف المحيطة ، فجعلت منه الشرير المتسلق ، والانتهازى المتسلط ، كما جعلت منه النبيل المثالى الطموح. ومن الطبيعى أن ينشأ الفعل الدرامى هنا فى الصراع بين النموذجين.
ولأن كلا النموذجين مثالى فى أفعاله التى لايحيد عنها، فمن الطبيعى أيضا أن يكون الصراع هنا صراعا حادا وعميقا ومتضمنا لكل الأطر الثقافية المحيطة، وهو ما تضمنه الخطاب النصّى فى الأعمال القصصية للكاتب منذ روايته"جلامبو" فى أوائل السبعينيات وحتى رواية "المقلب" التى صدرت مؤخرا فى 2009 عن مطبوعات المجلس الأعلى للثقافة.
لذلك فأنا أؤكد على أننى لم أدّعِ‮ ‬أبدًا أنني تنبأت بحدوث الثورة بهذا الشكل،‮ ‬بل إنني أصبت بحالة من البكاء الهستيري ، والذى أعتقد أنه كان مزيجا من الشعور الطاغى بالامتنان لله مع فرحة عارمة بتحقيق الحلم تصل الى عدم التصديق . حدث ذلك عند نزولي للمظاهرة في ميدان القائد إبراهيم لأول مرة،‮ ‬ورؤيتي للآلاف من جماهير الشعب الثائرة التي سدت الطريق من شاطئ البحر حتي الشوارع الرئيسة والفرعية بالإسكندرية،‮ ‬ولا أبالغ‮ ‬إذا قلت إنني سمعت البحر وهو يردد معنا الهتاف بإسقاط النظام‮.. ‬وما زلت،‮ ‬حتي هذه اللحظة،‮ ‬لا أصدق أن الثورة التي لم أتنبأ بها قد قامت ونجحت‮! ، كما ‬لم يبلغ‮ ‬بي التفاؤل يومًا أن الثورة ستحدث بهذه القوة والعظمة والرقي والتحضر،‮ ‬وحتي إن تصورت حدوثها،‮ ‬فإنني لم أكن أصدق أنني سأعاصرها وأعايشها وأنا أقترب من السبعين،‮ ‬وإنما كنت أراها في الخيال حلمًا عزيز المنال،‮ ‬تحقق بدماء شهدائنا من الشباب الذين قادوا الجماهير إلي ميادين الثورة بأقاليم مصر كافة،‮ ‬وليس بميدان التحرير أو ميدان القائد إبراهيم وحدهما‮.. ‬إن أحدًا لا يتصور أنني ذبت في المظاهرة وأنا أصرخ مع الشباب رافعًا قبضتي في الهواء مرددًا معهم هتافاتهم،‮ ‬ولم أشعر بنفسي إلا في الإبراهيمية حين أحسست أن ظهري قد سقط مني،‮ ‬فاتجهت إلي أول‮ "‬تاكسي‮" ‬ليعيدني إلي المنزل منخلع الظهر،‮ ‬منشرح الصدر،‮ ‬مفجوعًا‮ - ‬من شدة الفرحة‮ - ‬إلي الطعام،‮ ‬وكأنني‮ ‬،‮ ‬كما يقولون‮- "‬آكل في آخر زادي‮"!‬
****
لقد ‬قامت أعمالي الروائية بوجه عام ،و الثلاثة الأخيرة،‮ ‬بوجه خاص،‮ ‬علي طرح أشكال الفساد والانهيار الشامل لكل أحوال البلاد،‮ ‬وعجز الشعب عن مواجهة دنس السلطة الطاغية المستبدة،‮ ‬ورضوخه لسطوتها وجبروتها وقهرها،‮ ‬واستسلامه لليأس والتخاذل وأحلام اليقظة،‮ ‬والاكتفاء بالدعاء إلي الله‮.. ‬هذا ما أدعيه،‮ ‬وهو تقريبًا ما قاله النقاد في دراساتهم المنشورة عن هذه الأعمال‮. ‬لقد عبَّرت عن ذلك بأشكال فنية تعدُّ‮ ‬تحريضًا‮ ‬غير مباشر علي الثورة في‮ "‬الشيء الآخر‮" ‬عام‮ ‬2004‮ ‬و"الحب والزمن‮" ‬عام‮ ‬2007‮ ‬وأخيرًا‮ "‬المقلب ، وهى أعمال تكشف بوضوح عن الواقع الأليم الذى يحياه شعب مصر، محكوما بالحديد والنار والفاسدين والانتهازيين والمنافقين .. ورغم ألمى الشديد ومعاناتى القاتلة أثناء كتابة رواياتى الا أننى كنت أشعر بلذة فائقة فى الالتفاف حول متابعة عيون النظام للكتاب المزعجين بحيث أوصل أفكرى الى القراء ، ولقد نجحت فى ذلك بالفعل، رغم أن استخدامى للرمز كان شفافا الى درجة الوضوح العلنى ، ولقد ساعد على نجاح مقصدى جهل رؤوس النظام بكل ما يتعلق بالأدب والثقافة من قمتهم الى قاعدتهم ، وكنت أقيس هذا النجاح بنوعية الخطابات التى كانت تصلنى من قرائى بالبريد العادى أحيانا ، وبالبريد الالكترونى فى معظم الأحيان ، والتى كانت تثلج صدرى وتسعدنى وتشفينى من المرض..ورغم هذا كله فقد كنت أفتقد الأمل تماما فى قيام ثورة ، فما كنت أرى أمامى شيئا غيرالعجز فى مواجهة الدنس.. ولما تصاعدت حدة القهر والبطش ، وتحول الفساد من فساد عظيم الى ما أسميته ب "عصر الفساد الأعظم" وأصبح وزير الداخلية – خادم الرئيس وأسرته والمطيع الأعمى لتعليمات سيده بإطلاق الرصاص على المتظاهرين ودهسهم بمجنزاته الرهيبة – هو الحاكم الفعلى لمصر ، والذى تسبب بجرمه فى إفساد العلاقة بين الشعب والشرطة الى أجل غير مسمى ، والمسئول عن الفوضى الأمنية العارمة التى تسود البلاد الآن،،، قررت أن أتحرر من جبنى وحذرى وأن أترك الرمز والهمز، والغمز واللمز، الى الصراخ الفنى العلنى، فسلمت أمرى الى الله وكتبت"الحب والزمن" والتى ستصدر بمشيئة الله فى منتصف يوليو الحالى عن دار الهلال المصرية.
سعيــــــــد سالم
الاسكندرية فى 8/7/2011
Said Salem
 
Posts: 1
Joined: Wed Nov 02, 2011 1:33 pm


Return to Book Discussion/ رأي في كتاب

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 2 guests

cron