قطارات سوريا إلى أين؟.

أرسل رأيك أو مقالك هنا

قطارات سوريا إلى أين؟.

Postby علي محمد » Mon Jun 04, 2012 10:56 pm

قطارات سوريا إلى أين؟
-1-
نظريا..قد يواجه العقل أزمة لا يمكنه مستوى طاقته من إيجاد مقاربة لحل واقعي لها، وقد يهرب إلى مقاربات وصفية لا تمتلك أدوات واقعية تفكك عناصر الأزمة، مما يعزز احتمال تفاقمها.
عندما يكون هناك العديد من العقول التي تبحث عن حلول وكل على حده، منتجة ما يدخل مباشرة في دارة تلك الأزمة، فإن قصورها المنفرد قد يولد معامل تضخيم مشترك يدفع نحو الخطر.
نظريا أيضا .. يفترض أن تلحظ تلك العقول ملامح ذلك التطور السلبي وهي تتأمل منحني نمو الأزمة، وأن يحرضها ذلك على مغادرة خندق رؤيتها لنفسها وللواقع.
-2-
في شقة من الطابق الأرضي لبناية بمدينة دمشق، تسكن راقصة تقاعدت حز في نفسها أن جيرانها لا يلقون عليها التحية (رجالا ونساء) عند البقال أو في الصيدلية أو على الرصيف، فقررت تنظيف بهو المدخل بيدها رغم وجود صبية فلبينية تقوم على خدمتها، علها تنجح بدفعهم لقبولها كجارة لهم. لكن أحدهم لم يبادرها التحية وهو يعبر البهو إلى شقته.
لم تستسغ نوف(في الهوية نفيسة) خاطرة ردت السبب لصدرها العاجي المكشوف قليلا، وقالت لنفسها واثقة.. هناك ثمة آخر.
أصرت على تحيتهم جميعا مراقبة نبرة الرد..درجة علوها وخفوتها، وفاجأها أنها وكلما عبرها جار متجاهلا، اندفع إلى مخيلتها وجه إيفيتا بيرون ممزوجا كما في الحلم بوجهها هي لحظة قررت مغادرة كلية التاريخ قبل ثلاثة عقود لتهز وسطها.
لطالما شهدت جيرانها يتعاضدون في الملمات ويتشاركون الأفراح والأتراح، ولطالما ابتسمت وهي تراهم يسلمون على بعضهم بحرارة، ويتحدثون عن الأولاد والمعيشة والمشاكل، ويختمون بدعوة متبادلة لزيارة لم يحصل أن تلقت مثلها، لكن تبادلهم للمحبة ورغم ذلك الأسى، ظل يهب ابتسامتها مكانا تعرش عليه.
تأملت في شهر الأزمة الأول اكتساح التجهم رويدا..رويدا وجوه جيرانها في سياق حديثهم عند المدخل أو على الرصيف، في الشهر الثاني سمعتهم يتبادلون عبارات قاسية، في الثالث لم تعد ترى ملامح صداقة مستقرة في الوجوه، وبات بعضهم يعامل الآخر وكأنه راقصة. في الرابع غارت المسرة من نظراتهم وأصواتهم، وتقدم ظل الهم كل خطوة تخطوها أقدامهم. في الخامس هالها أن بعضهم بات يضمر شرا للآخر، يتمناه ويعمل له.
خلال تلك الفترة علا صوت بكاء وأحيانا صراخ، لفقد عزيز من هذه الشقة أو من تلك.هي تعلم أن بينهم من يستمع (وفقط) للجزيرة وللعربية والوصال، ومن يستمع للدنيا وللسورية فقط، وثمة من يستمع لكلها، وتساءلت نوف التي نادرا ما استمعت لأي منها: هل فقد الأعزاء، وذلك السماع هما من هزا أسس المحبة، أم ثمة أخر؟. العبارات التي سمعت جيرانها يرددونها في بداية الأزمة، كانت تدين الفساد وتنشد السلم الأهلي والحرية، ولفظ جلهم كلمة الديمقراطية كما يلفظ المليسة لوجع البطن. فعلام يتباغضون؟.
سبق لنوف أن هزت وسطها في أوروبا، أحبت التنقل بقطاراتها الفخمة، وعجبت كيف يسير العشرات منها ذهابا وإيابا على نفس السكتين ولا تتصادم!! هي تتذكر إيفيتا بيرون وتلك القطارات كلما تغلغلت كلمة ديمقراطية في فضاء المدخل.
تداعت لذهنها مقاربة؛ ثمة قطارات كثيرة تسير على سكة الأزمة في سوريا، فهل يدور الصراع كي يطرد أحدهما الآخر ليبقى قطارا واحدا؟
لماذا يرفض الربابنة التوقف قبل نقطة الاصطدام الكبير، ليبنوا معا محطات تحويل، ويتفقون على نظام للحركة.. على برنامج الإصلاح الديمقراطي الذي يتحدثون عنه؟
فجأة تذكرت وكيل أعمالها الأول، وتساءلت:
هل يعمل الربابنة وبأدوات متنوعة لتتحول المحبة إلى كراهية تدعم أصول أرصدتهم؟ وهل يتأتى ألق نجوميتهم من إغراق المحبة المجتمعية في رمال سياساتهم؟.
-3-
محاربة الفساد والإصلاح ومواجهة الاستهداف الخارجي والانتقال من هيمنة الحزب الواحد إلى الديمقراطية ..الخ، كلها تحتاج تلاحم سكان تلك البناية. وعندما يشير باروميتر السلم الأهلي إلى أن الانقسام ينمو فيها وباستمرار ، فذلك يعني أن السياسات(وليس سياسة بمفردها) ترتكب أخطاء جسيمة، وأن على العقول المنتجة لها أن تتنبه إلى عوامل فاعلة في ذلك النمو السلبي، يحتمل أنها أغفلت بقصد أو بغير قصد.
إن دمرت البغضاء المحبة في تلك البناية واكفهرت أبواب شققها، فمن سيأخذ العبرة من تحميل المسؤولية لهذا الطرف أو لذاك؟.
كفى اختباء خلف مصفوفات السببية.. فالمريض في خطر، ويحتاج من يساعده كي يتنفس.
كفى رمالا متحركة تمتص مجتمعة رغم اختلاف ألوانها عصارة المحبة من أساسات العمارة الشامية، التي لا يعرش ليلكها فوق جدران البغضاء.
علي محمد
اللاذقية: 11-8-2011
علي محمد
 
Posts: 15
Joined: Thu Mar 03, 2011 9:07 pm


Return to Articles and Views/ مقالات وأراء

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 1 guest

cron