المرأة المصرية والثورة الأخلاقية

أرسل رأيك أو مقالك هنا

المرأة المصرية والثورة الأخلاقية

Postby نوال السعداوي » Mon Dec 26, 2011 12:51 pm

Image

المرأة المصرية والثورة الأخلاقية
-----------------------------------
د نوال السعداوي
--------------------------
القاهرة الخميس 22 ديسمبر 2011
---------------------------------------

المرأة المصرية تدفع ثمن كرامتها وانعتاقها من العبودية بالخروج من البيت الي الشارع , والاستعداد للموت , وليس فقط للضرب والسحل والتعرية من ملابسها ،
وكم من بنات وأطفال وشابات وكبيرات السن ، قتلن جسدا وعقلا وروحا ، بسبب الخروج من البيت والثورة ، علي كافة أنواع القهر العامة والخاصة ، فالعام والخاص لا ينفصلان

صورة عري المرأة في الاعلام ، تجرح شعور هيلاري كلينتون ، لا يجرح شعورها الأنثوي الرقيق مذابح الملايين من النساء والأطفال والرجال ، علي يد الآلة العسكرية الأمريكية في كل بلاد العالم ،
وتجرح الصورة أيضا شعور الشوارب المفتولة واللحي الطويلة الكثيفة ،
الذين ينتهكون كرامة المرأة كل يوم ، باختزال كيانها الانساني الي صورة " وردة " تحمل اسم زوجها "

اعتبار اسم المرأة أو صوتها عورة اهدار لكرامة الانسان ، فمابال اخفاء الوجه بالنقاب ،
وجه الانسان هو كرامته ، امرأة أو رجل ،

تبدو هيلاري كلينتون من شدة دفاعها عن حقوق المرأة كأنما هي زعيمة تحرير النساء في مصر ، كأنما فكرة تحرير المرأة المصرية مستوردة مثل الفول المدمس من كاليفونيا ،
هيلاري كلينتون في حماسها للدفاع عن المرأة المصرية ، يشبه حماس بعض الذكور " لحماية الأنثي التي عراها الجيش والبوليس ، لا يصبون غضبهم علي المعتدين ويطالبون بعزلهم ومحاكمتهم ، بل يغضبون من المرأة الضحية ، يقولون عنها " متمردة " ثائرة ، خرجت علي القيم الأخلاقية ، و طاعة الله الذي أمرها أن تلزم البيت .

كما غضبوا أيضا من الشباب الثوار المعتصمين من أجل الحرية والكرامة والعدل وأمروهم بطاعة أولي الأمر في الدولة ، والعودة الي بيوتهم ،
وعدم حرق قلب مصر ، كأنما هم الثوار الذين يحرقون مصر وليس العسكر والشرطة ،فلول النظام ، وأعوانهم في أمريكا واسرائيل
يلعب الاعلام المصري والعربي والدولي دورا في خلط الحابل بالنابل ، واشاعة الفوضي الفكرية والبلبلة حتي يترحم الشعب المصري علي أيام مبارك ، هذا الكذب والخداع ينتهك الشرف وليس تعرية صدر امرأة أو وجهها أو شعرها ،

تعرية الجسد ، بالطبع ، اهدار لكرامة المرأة أو الرجل ، فالجسد الانساني له كرامته وقدسيته ، ويجب ألا يعري بالقوة والبطش ، أو يضرب ضربا عنيفا للتخويف ، أو ضربا خفيفا للتأديب ، فالضرب هو الضرب في المظاهرة في الشارع أو في السجن أو داخل البيت


لكن الأخطر من ذلك هو الضرب بالرصاص الحي في الرأس مباشرة
أغلي ما في الانسان هو المخ ، داخل عظام الجمجمة التي يخترقها رصاص العسكر والشرطة ،

منذ الثورة في يناير الماضي ( حتي اليوم ٢٢ ديسمبر ٢٠١١ ) كم عدد الآلاف الذين اخترق رؤوسهم وعيونهم الرصاص الحي في الشوارع والميادين ؟

رأيت بعيني بقايا مخ الانسان المصري الشريف ممزقا فوق الأسفلت في شارع قصر العيني ، وجثث القتلي الشرفاء مكومة في مشرحة زينهم مثل قطع اللحم المجمد في علب الصفيح

هذا هو ثمن الحرية والكرامة ، هذا هو ثمن الشرف الحقيقي وليس الشرف المزيف ،
الثورة ضد الظلم هي الشرف الحقيقي ، الثورة من أجل العدل والحرية والكرامة هي الشرف الحقيقي ،
،
أجمل ما هتفت به الشابات في المظاهرة هذه العبارة : ارفعي راسك يا اختي أنت أشرف من اللي داسك

هذه العبارة الموجزة التي هتف بها الآلاف من الشباب والشابات تغير مفهوم الشرف التقليدي المزدوج في بلادنا ، الشرف الذي يتعلق بجسد المرأة ، ولا يتعلق برأسها المرفوعة في كرامة وثورة عظيمة ، وعقلها المبدع الخلاق

الشرف الحقيقي لا تثبته الكشوف الطبية عن العذرية البيولوجية ، ،
الشرف الحقيقي في رأس المرأة ، عقلها ، أو رأس الرجل ، عقله ، الشرف الحقيقي في الأمانة والصدق والحرية والعدالة والكرامة ، وليس في تعرية أو تغطية الوجه أو الذراع أو الساق

هؤلاء الشابات الثائرات الشجاعات قادرات علي الموت من أجل حماية كرامتهن وكرامة الوطن ، وهل يحميهن هؤلاء الذين لم يخرجوا من بيوتهم الا للزعيق في الميكروفونات والفضائيات

تحت اسم الحماية احتلت بريطانيا وأمريكا موارد بلادنا المادية والمعنوية ، وتحت اسم الحماية يحتل بعض الذكور ذوي الشوارب واللحي عقل المرأة وجسدها وروحها ،
لم يتحرر العبيد والنساء في التاريخ الا بالدماء ، فالحرية أو العبودية تكون في الدولة والعئلة ، وفي الشارع وفي المدرسة والبرلمان وكل مكان ،
الحرية لا تتجزأ والعبودية لا تتجزأ ، والرجل لا يكون حرا حين تكون المرأة عبدة والمرأة لا تكون حرة حين يكون الرجل عبدا ،
والطفل لا يكون حرا اذا تربي علي العبودية والخوف والذل

ثمن الحرية والكرامة هو الدم
والناس من خوف الذل في ذل

هذه الحقيقة التاريخية عرفتها في البيت من أمي وأبي وجدتي ، لم أعرفها من المدرسة أو الجامعة أو البرلمان ، عرفت أن ثمن حريتي غال جدا ، أدفعه بالدم والسجن والضرب والنفي وتشويه السمعة ،

كم حاولوا تشويه سمعة الشباب الثوار والشابات الثائرات ؟
قالوا عنهم عملاء الغرب ، وأن الشابات عاهرات وبنات شوارع وأجروا لهن فحوصا للكشف عن عذريتهن ،

قرأت منذ يومين مقالا ، لأحد الكتاب الكبار ، ممن حصلوا علي جوائز مبارك ، يقول أن ثورة يناير المجيدة ، تم تشويه صورتها بهؤلاء الشباب في ميدان التحرير ، وشارع قصر العيني ، الذين يحرقون المجمع العلمي ، كنز مصر العظيم ، يبكي عليه الكاتب الكبير ولا يبكي علي دماء الآلاف من شباب مصر العظيم ، انهم كنز مصر الحقيقي وليس أي مبني أو مجمع علمي ، هؤلاء الشباب هم عقل المستقبل وعلم المستقبل وليس العلماء مندوبي الرئيس الأمريكي ، هؤلاء الشباب يراهم الكاتب الكبير بلطجية بعد أن قال عنهم الثوار ، ويأمرهم بالعودة الي بيوتهم فورا واحترام قرارات المجلس العسكري والمجلس الاستشاري ونتائج الانتخابات ، والا فيجب علي الدولة أن تضربهم بالرصاص ،

بعض الأطفال آصبحوا هم الضحية ، وهم الذين يحرقون البلد ، الأطفال في الشوارع ، الغير شرعيين الفقراء المعدمين

هذه هي القيم المزدوجة اللاأخلاقية ، من أجل تبرئة أصحاب السلطة والنفوذ يتم ادانة أضعف شرائح المجتمع ، الأطفال الفقراء المساكين ، والبنات المغتصبات المشردات ، ليس لهم أسرة ولا بيت ،
خمسة ملايين ولد وبنت غير شرعيين في مصر ، ليس لهم حقوق علي الاطلاق بما فيها الشرف ، هم ضحايا الفوضي الجنسية التي يتمتع بها بعض الرحال ،

لم تكف النخبة الحاكمة واعلامها عن تشويه صورة شباب الثورة تحت اسم المحافظة علي الثورة ؟
لم يكفوا عن بلبلة الرأي العام ،
لدرجة أن أستاذ جامعي من النخبة الحاكمة قال في التلفزيون : العيال الشوارعية دول خربوا البلد ، الناس بتترحم علي أيام مبارك ،

هذه هي الخطة التي رسمت لانهاء الثورة والاجهاز علي الثوار والثائرات
فهل نجحت الخطة ؟ أبدا

فالرياح تأتي بما لا تشتهي السفن ، تصدت احدي الشابات الثائرات للجنود بشجاعة وقوة ، فانهالوا عليها ضربا حتي سقطت ، وتعري نصفها الأعلي ، كانت ترتدي مشدا أخفي النهدين ، وبنطلون سميك أخفي نصفها الأسقل ،

كانت راقدة علي الأرض ، من حولها مجموعة من الجنود المسلحين بعد أن ضربوها حتي الاغماء ،

نطقت الصورة بما لا تنطق به آلاف الخطب والمقالات و الكتب ، الوحشية العسكرية في أبشع أشكالها ، يزيد من الوحشية كون الضحية امرأة ، الضرب المبرح جريمة ، وتعرية الجسد يالقوة المسلحة جريمة

جريمتان اثنتان كل منهما أبشع من الأخري
ولهذا يشتد الغضب وتخرج الملايين من جديد الي الشوارع وميدان التحرير في الموجة الثالثة لثورة يناير ٢٠١١ ,

شارك في المظاهرات الرجال والنساء معا ، والشباب والشابات من الاتحاد النسائي المصري ، يتحمس الشباب مثل الشابات لتحرير المرأة ، هؤلاء هم مستقبل
مصر الجديدة
نوال السعداوي
 
Posts: 1
Joined: Mon Dec 26, 2011 12:38 pm


Return to Articles and Views/ مقالات وأراء

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 1 guest

cron