البيوت الذكورية القامعة تصنع النظام السياسى القامع

أرسل رأيك أو مقالك هنا

البيوت الذكورية القامعة تصنع النظام السياسى القامع

Postby Mona Helmy » Sun Oct 02, 2011 9:19 am

Image

د. منى حلمي



لا أدرى أين تتوارى الأبجدية ، حين أكون ، فى أشد حاجتى اليها ؟
لماذا تختبئ الكلمات ، وراء ستائر غير مرئية ،
حين تصبح الكتابة ، هى الفعل الوحيد ، به ، أقول
ل وطنى ... " أنا موجودة " ؟
نعم ، يا وطنى ، " أنا موجودة " .. وقد أبقيت
- مشكورا – على عمرى ، حتى أعاصر، افاقتك
وتمردك .. وثورتك .. واصرارك .
نعم ، يا وطنى ، " أنا موجودة " ، وشغف الزهو ، يغنى " أنا من مصر " .. أعايش تحولاتك الصعبة دون دعم من أحد ، وأتامل
صمودك الواعى دون تاريخ مسبق ، وافتخر
ب مقاومتك السلمية المتحضرة ، التى تواجه
أعاصير ، لا تعرف التحضر ، السلمى .. ويشجينى صوتك ، المدوى ، بعد طول أزمنة
الصمت ، والخوف ، والقمع ، وحظر الغناء .
تابعت أحداث المحاكمة ، التى يسمونها " محاكمة القرن " . أتامل الوجوه ، نظرات العيون، ملامح مرتبكة ، ألسنة متلعثمة ،
أوراق تتطاير ، أصوات تتعالى ، أنفاس متقطعة
أسبح فى تأملاتى ، التى أوصلتنى ، الى دلالات
ل " محاكمة القرن " ، أهم ، من المحاكمة ذاتها
ان القضبان الحديدية ، التى رأيتها ، لم تكن ، مجرد جدار ، يفصل من ناحية بين ، المتهمين ،
وأصحاب الدفاع ، والمدعين ب الحق المدنى ، ومراسلى وكالات الأنباء ، من ناحية اخرى .
وانما رأيتها ، تفصل ، بين " شعبين " . شعب
مترهل ، منهك ، يائس ، تخلى عن وجوده ، وحقوقه . وشعب جديد ، وان كانت جذوره النقية
لم تقتلع بعد . شعب ، مولود ، جديد ، يتحسس
دون صرخات ، مكانه على خريطة الكون . شعب
لم ينتظر اجراءات الولادة .. ولم يهتم ب استشارة أصحاب البالطو الأبيض – وحسنا فعل – أتكون الولادة طبيعية ، تقليدية ، أم قيصرية ؟
رفض الشعب الوليد ، أخذ مسكنات ، حتى يشعر
ب جمال الألم ، حين يثمر " ثورة " ، يقذفها العقل السليم المكتمل ، وليس البطن الناقص المقطوع .
رأيت القضبان الحديدية ، مثل السور المرتفع
الفاصل ، بين مدافن وطن ، تآكل ، وتحلل ، وتعفن ... وبين حدائق وطن ، ينمو ، وينتصر ،
ويستنشق ، ما لذ ، وطاب ، من عبير الورود ،
والكرامة .
قضبان حديدية ، بكل حزم ، تباعد ما بين ،
" مصرين " .
" مصر " ، الخائفة ، من خيالها .. " مصر "
الخانعة ، ل طوابير العيش .. " مصر " ، الخادمة ل رأسمال فاسد ، محلى ، وعالمى ،
ومشترك ، أكثر شرا من مثلث برمودا .
و " مصر " – طال اشتياقنا اليها – تكسر حواجز الخوف ، تلقى بحقائب الخنوع ، فى
نفايات التاريخ ، واستقالت نهائيا من خدمة
سماسرة الأوطان ، وشركات المتاجرة فى كرامة الشعوب ، والذين يغيرون ، الأقنعة ، حسب الزمان ، والمكان ، ومعدل سقوط المطر .
خلال مجريات ، ما أسموها " محاكمة القرن "
لم اكن منشغلة ، ب شئ ، قدر انشغالى ، ب اللحاق ، ب " مصر " ، سيدة مصيرها على أرضها .. " مصر " ، الحاكمة ب العدل والعقل .. " مصر " ، التى توزع ب يديها ، دون الاتفاق مع موزعين أجانب ، خيراتها ب ميزان ،
دقيق الحساب فى الوطنية ، وفى الجهد ، وفى
الاحتياج ، على شعب صنعها من جديد . شعب ،
أصبح قدوة ، والهاما ، ل الأعداء ، قبل الأصدقاء
سمعت من البعض ، أن " محاكمة القرن " ، ليست انجازا كافيا ، يشعر صناع الثورة بالرضاء .. وليست ذات دلالة عميقة ، على تحقيق دولة الديمقراطية ، ودولة القانون .. وليست تمثل أهم
مطالب الثائرات ، والثوار .. وليست ، هى التى
ستضخ الدماء فى عروق الشهداء ، أو حتى تريحهم فى مثواهم الأخير .
لست أصادر على رأى أحد . وفى الوقت نفسه
لست أعتبر أن " محاكمة القرن " ، هى نقطة
الانتصار فى السباق الأخير ، وعلينا البدء فى بناء المستقبل .
أولا ، أنا لا أفصل ، بين الماضى ، والحاضر ،
والمستقبل . الحاضر ، كان حلم الماضى .. والمستقبل ، هو شغل الحاضر . والثلاثة ، خيوط
تتكامل ، ل تصنع حياة فرد ، أو حياة شعب .
ثانيا ، هذه المحاكمة ، توقف قليلا السيل المتدفق ، عن هيبة الدولة .. ف التضخم فى الحديث عن هيبة الدول ، هو الذى يصنع الطغاة ، والمستبدين ، وأنظمة القمع ، والديكتاتورية .
كم عانينا من هذا الحديث ، حتى بعد قيام الثورة .
دعونا نتكلم ، عن الأهم ، وهو " هيبة
المواطن " ، التى تبدأ فى التشكل من جديد ،
ونحن نتابع " محاكمة القرن " ، التى هى
ب معنى آخر ، محاكمة بين هيبة المواطن وهيبة الدولة " . ولا بد أن تنتصر ، " هيبة المواطن " . ان الدولة ، تستمد قوتها ، واحترامها ، وهيبتها ، من قوة ، واحترام ، وهيبة شعبها .. وليس العكس . هذا اذا كنا نتكلم عن الدولة الديمقراطية .
ثالثا ، اعتبار البعض ، أن علينا ، التوقف عن تضخيم " محاكمة القرن " ، لأنها انتصار ساحق ، لم نحلم به ، ولم نحقق شيئا بالضخامة نفسها ، والآن هو وقت البناء ، قول غير صائب
ف الثورة ، ليست حدثا ، أو مجموعة من المظاهرات ، والهتافات ، والأحداث ، التى اذا تحققت ، ينفض المجلس ، وترفع
الجلسة من المحكمة الثورية .
ان الثورة ، عملية يومية ديناميكية ، تجرى فى
عروقنا ، كما تجرى على الطرقات ، وداخل المؤسسات ، وتحت قبة البرلمان ، واثناء البناء
والتشييد ل يوم جديد .
ان بناء الوطن الجديد ، ليس معناه فقط ، رفع الأجور ، وتغيير المحافظين ، وتبديل المجالس
المحلية ،وكتابة دستور جديد ، واجراء انتخابات
حرة ، ومحاكمة المتهمين ، وحرية تكوين الأحزاب فقط . الثورة بالطبع ، تضم كل ذلك ،
لكن هذا هو المفهوم الضيق ، للثورة ، الذى ورثناه من ممارسة السياسة ، داخل أحزاب ، وجماعات ،غير ديمقراطية ، غير مبدعة ، صدئة ، وأحادية التفكير .
الثورة ، هى كل شئ ، فينا ، وحولنا .. الثورة ،
هى كل شئ نقوله ، ونفعله ، ونحلم به .
الثورة ، لا تعرف مبادئ التقسيط ، والتجزئة .
كيف يمكننا أن نقسط الحرية ؟ كيف يمكن ان نتناول الكرامة بالتجزئة ؟ كيف للعدالة ، أن تكون عادلة ، وهى تسير حسب ارشادات
الأطباء " كل يوم نقطة " ؟
يتصور الكثيرون من النساء ، والرجال ، بناء على هذا ، أنه لا توجد ، أية علاقة ، بين الديمقراطية فى الوطن ، والديمقراطية فى البيت
وهذا تصور ليس فقط خاطئا ، ولكنه ضد العدالة ،وضد القيم الثورية الحقيقية .
ان البيوت الموسسسة على التسلط الذكورى ، وعلى أن الرجل هو المؤهل فقط ل تحديد مصير الزوجة ، والأطفال ، والأسرة .. وأن الطاعة فضيلة من حقه الطبيعى ، على الزوجة ، والأطفال .. بيوت لا يمكن أن تهب عليها نسائم
الحرية ، أو الكرامة ، أو العدالة .
ان تلك البيوت القامعة الذكورية ، هى التى تخلق ، النظام الذكورى القامع ... وهى التى تصنع الديكتاتور السياسى ، والارهابى الدينى ،
والتسلط الثقافى ، وهى التى تقتل النساء ، بالطرق العصرية ، وباسم أشياء براقة مضللة ، ثم تتكلم عن الثورة ، والعدالة ، والكرامة .
لو كل انسانة ، وكل انسان ، بدأ ب نفسه ..
بدأ الثورة فى بيته ، ويحوله الى بؤرة صغيرة ،
قائمة على العدالة الكاملة بين جميع الأطراف ..
وعلى الحريات المتساوية ، وعلى الكرامة المتساوية ، ل تحققت الثورة الأصعب ..
وهذه تستحق عن جدارة لقب " ثورة القرن ".
Mona Helmy
 
Posts: 15
Joined: Thu Sep 09, 2010 1:00 pm


Return to Articles and Views/ مقالات وأراء

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 1 guest

cron