حينما تتوه منا حقيقية الأشياء ونفقد جوهر المعاني..!

أرسل رأيك أو مقالك هنا

حينما تتوه منا حقيقية الأشياء ونفقد جوهر المعاني..!

Postby Hussein El Charkawi » Sun Aug 14, 2011 12:08 pm

فى جامع صغير فى ضاحية المعادي اعتدت أن أصلي به وقد عهدت فيه الأمام شيخا أزهريا متفتحا علمه واسع ولغته سهلة واضحة يشرح للناس أمور دينهم ودنياهم بدون تعقيد وبلا شطط وبالاعتماد بالأساس على آيات القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة ولا يفوته أن يذكر مراجعه وأسانيده ليستدل بها على تأكيد المعاني التى تشير إليها خطبته..
ولكن حدث فى يوم الجمعة 28 يوليو 2011 أن غاب الأمام لظرف خاص ألم به فخرج علينا أمام بديل وما أن اعتلى المنبر و أمسك بزمام الميكرفون حتى بدأ فى الصياح بأعلى صوته مطالبا المصلين بالخروج بعد صلاة الجمعة والزحف إلى ميدان التحرير لنصرة دين المسلمين ونصرة رسول الله الكريم ولم يتورع عن أن يتهدج صوته ويتحشرج ويبكي وهو يقول أن واجب المسلمين أن يهبوا للتحرير فهذا يوم الجهاد الأكبر ضد أعداء الإسلام من الليبراليين والعلمانيين،وأن زحفهم إلى ميدان التحرير هو دليل على قوة إيمانهم بدينهم وحبهم للرسول ويفتح لهم أبواب الجنة ولم ينس أن يتوعد من يتخلف عن الذهاب بعظائم الأمور والويل والثبور..!
ولأول مرة فى حياتي وجدت المصلين وقد ضاقوا ذرعا بما قاله الإمام الشاب وكاد أن يحدث احتكاك بينهم حتى أنهم أعربوا عن ضيقهم مما قال بتوبيخه بحدة وقال أحدهم :" ما علاقة صلاة الجمعة بالذهاب لميدان التحرير.!؟ وما علاقة ميدان التحرير بالجهاد الأكبر؟ ومن قال أن الإسلام بات مهددا؟ ومن قرر أن من يذهب هو المسلم الصحيح ومن لا يذهب ليس بمسلم..! ولامه آخر قائلا:"كيف تستغل المنبر لأغراض شخصية وأغراض جماعة معينة هكذا؟ وقال آخر معاتبا : " جئنا لنسمع خطبة الجمعة فإذا بك تكفر كل من جاء ليصلي ويؤدي فرائض الله إذا لم يذهب للتحرير..! وقال رجل ملتحي: "الم تسمع بابني قول الله تعالى " أنا نزلنا الذكر وأنا له لحافظون..." أن الله قادر على حماية دينه العزيز فى أي زمان ومكان ولا يحتاج لذهاب المسلمين إلى ميدان التحرير لينصر دينه على الظالمين"..!
اللافت للنظر فى تلك الواقعة أن هناك خلطا واضحا للأمور جعل حقيقة الأشياء تتوه منا وأصبحنا أمة تفتقد جوهر الأشياء ومعانيها..تجنح للتسطيح المخل والشعارات الجوفاء وتنغمس فى مكلمات لا طائل منها فأغلب الظن أن هؤلاء الذين رفعوا لافتات فى تلك الجمعة وكتبوا عليها " لا للعلمانية .." و " لا لليبرالية.." و" نريدها إسلامية ..إسلامية ..!" والذين أقدموا على تغيير علم مصر فى ميدان التحرير،والذين رفعوا الرايات السوداء فى العريش وهاجموا المدنيين وقتلوهم لم يبذلوا من الجهد وإعمال الفكر ما يمكنهم من فهم تلك الشعارات التى جرى ترويجها بينهم و اللعب فيها على الجانب العاطفي للمسلمين ومحاولة تسخينهم فى اتجاه معين من أجل مصالح محدودة لا تنظر إلى مصالح الأمة على المدى البعيد وإنما تنظر فقط إلى مغانم قريبة قصيرة الأجل لا تصلح أحوال أمة ولا تنقلها لتضعها فى طريق التقدم..
والليبرالية حركة فكرية نشأت فى القرن الثامن عشر و فى معناها البسيط هي إيمان راسخ بأهمية الحرية والحقوق المتساوية للبشر فى أي مجتمع..وهى تدعم أفكار أساسية مثل الإيمان بالدستورية والديمقراطية الحرة والانتخابات الحرة والعادلة وحقوق الإنسان والتجارة الحرة وحرية الاعتقاد والدين. والليبرالية فى البداية كانت القوة الدافعة لعصر التنوير ورفضت فرضيات أساسية سادت أنظمة الحكم فى ذلك الوقت وظلت حتى وقتنا هذا مثل التوريث ونظام الأسرة الحاكمة والحقوق الإلهية للملوك والحكام وساهمت بذلك فى دفع الإنسانية قدما فى طريق التقدم والإصلاح..
والليبرالية فى صورتها التقليدية سعت إلى سن مبادئ هامة فى الفكر الدستوري مثل تقييد سلطة الحاكم والحكومة وترسخ مبادئ حرية الأفراد وحرية الاقتصاد والصحافة والتجمع السلمي. وحتى عندما تطورت الليبرالية التقليدية إلى الليبرالية الاجتماعية فى بداية القرن العشرين جعلت لها هدفين رئيسين وهما تحقيق صالح المجتمع مع الحفاظ على حرية الأفراد والعدالة الاجتماعية. والليبرالية الاجتماعية فى سعيها الحثيث لتحقيق ذلك اهتمت بعدة نقاط مثل:- حقوق الإنسان – ضرورة ضمان انتخابات نزيهة – ديمقراطية قائمة على تعدد الأحزاب وليس على حزب واحد – العدالة الاجتماعية – تقبل الآخر – اقتصاد سوق ولكن يراعي البعد الاجتماعي – تجارة حرة – الاهتمام بمشاكل البيئة – ضرورة التوحد العالمي وعدم الانغلاق.
إذن الليبرالية ليست سبة على جبين الناس وليست عارا يلزم التبرؤ منه والابتعاد عنه ورفع اللافتات المناهضة لها ووضع الليبراليين فى موضع أعداء الإسلام والأهم أنها لا تتعارض مع المبادئ السامية التى أقرها الإسلام ولا تختلف مع صحيح الدين وتنادي بمبادئ لا يختلف عليها البشر فى أي زمان ومكان فمن منا يوافق على أن يكون الحاكم مستبدا أو يقبل ألا يحاسب على أخطاءه وجرائمه..! ومن منا لا يطالب بانتخابات نزيهة أو عدالة اجتماعية بين البشر فى المجتمع الواحد..! ومن منا لا يرغب فى تعددية حزبية حقيقية بدون سيطرة فصيل أو طائفة أو تيار على نظام الحكم ..!
وما يقال عن الليبرالية يمكن أن يقال عن العلمانية Secularism فهي تعني ببساطة أيضا فصل الدين عن الدولة..فالدولة الإسلامية التقليدية – على عكس أنظمة الحكم الغربية فى القرون الوسطى التى كانت تقوم على أن الملك هو الرئيس الأعلى للكنيسة بجانب مسؤوليته كحاكم – فطنت للمشاكل التى تتولد من هذا النظام فسعت إلى الفصل بين السلطات منذ القرن الأول للهجرة وتم وضع نظام للفصل من ناحية بين (السلطان والعلماء)والتعايش معا من ناحية أخرى فى نظام مؤسسي فى ظل الشريعة الإسلامية. فالسلطان كان له الحكم وشئون الدولة بينما كان دور العلماء والمؤسسة الدينية هو الدفاع عن المجتمع الإسلامي ضد أعداءه وتحقيق مقاصد الشريعة والعمل على تحقيق "المصلحة" العامة.. وهذا النظام فى جوهره هو ما وصلت إليه بعض الأنظمة الغربية واتبعته من حيث أنه رغم عدم وجود نص مكتوب للدستور كما هو الحال فى المملكة المتحدة لكن يوجد فى نفس الوقت فصل كامل بين السلطات أو فى وجود فروع للحكم ممثلة فى السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية كما هو متبع فى النظام الأمريكي والتى تؤكد على الفصل التام والصارم بين السلطات فى نظام الحكم.
ومن رفعوا لافتات " نريدها إسلامية" افترضوا أو تم غسل عقولهم بأن الدولة والقانون بعيدين عن الإسلام وصدقوا الشعار الماكر الخبيث ولكن حقيقية الأمر أن ذلك لم يكن هو الواقع أبدا وتجدر الإشارة فى هذا الصدد أنه لم يحدث فى تاريخ القانون الوضعي سواء قديما أو حديثا أن خرج قانونا واحدا فى مصر مخالفا للشريعة وهو ما أكده باحثين من جميع دول العالم من أن الفقه الإسلامي تم استنباطه بدقة بالغة من ينابيعه الإسلامية مثل نظام الطلاق والزواج والميراث وغيرها كثير (محمد أبو زهرة – الشافعي 1948 وأوليفر روى 2007).
أن محاولة توظيف النص الديني توظيفا سياسيا مكشوفا لتجريد الإنسان من قدرته على الاختيار، وعلى التميز العقلي بين القبح والحسن وبين الحق والباطل.. ورفع الشعارات الجوفاء التى لا تحمل إلا معاني الشقاق والإقصاء..ورفع المصاحف فى مظاهرة سياسية لهو استغلال سيء للدين فى أمور السياسة ومحاولة لحشد الناس والتأثير العفوي عليهم ومحاولة تقسيم الناس إلى نوعين من المسلمين: مسلمين من يقف معنا ومسلمين من لا يقف معنا فهو ضدنا..! و هو فى جوهره إعادة لما فعله الأمويون عندما رفعوا المصاحف على أسنة الرماح فى الواقعة الشهيرة التى أدت إلى مذبحة كربلاء و مقتل الحسن و الحسين فيما بعد واعتلاء الأمويون سدة الحكم فى أكبر فتنة فى التاريخ الإسلامي..!
نحن اليوم اشد ما نحتاج إلى توحيد الصفوف ونبذ الفرقة وبدلا من الغرق فى بحر التعريفات الخائبة والتقسيمات الوهمية التى تؤجج الخلاف وتزرع بذور الشقاق نريد أن نحط الرحال على شاطئ الأمان ونبدأ العمل الجاد من أجل بناء البيت من جديد وتحقيق أهم مقاصد الشريعة وهى "المصلحة العامة"..نريد أن يجتمع المصريون على قلب وطن واحد وان ننبذ الخلاف وشق المجتمع إلى فصائل متناحرة لا يعنيها إلا الوصول لكرسي الحكم فقط..نريد أن نتسلح بأدوات الفهم والمعرفة وألا نجرى وراء الشعارات الفارغة..نريد ألا نقع فى الفخ الذى تحاول قوى كثيرة داخلية وخارجية توريطنا فيه..!
فليجتمع المصريون على صياغة واحدة للمستقبل..نريد نظاما جديدا لا يعيد إفراز النظام القديم ولا يسمح بأن نعود للوراء..فى معظم الدول التى تحولت إلى النظام الديمقراطي لجأت إلى النظام "شبه الرئاسي" وهو نظام يقوم على مبدأين هامين وهما "المحاسبة والتوازن" 1- محاسبة السلطة التنفيذية فى جميع مستوياتها من رئيس الجمهورية مرورا بالوزراء ورؤساء الهيئات والمؤسسات وصولا إلى القواعد الصغرى من المجالس المحلية والشعبية و 2- التوازن بين السلطات المختلفة ففي هذا النظام يتم الفصل التام بين سلطات الدولة بحيث لا تتدخل سلطة فى عمل سلطة أخرى وبحيث لا تجور سلطة على السلطة الأخرى مثلما حدث فى العهد البائد.
وفى هذا النظام من المهم انتخاب رئيس الجمهورية بالانتخاب العام المباشر وكذلك انتخاب البرلمان بالطريقة المباشرة فى انتخابات حرة ونزيهة.. وفى النظام "شبه الرئاسي" يقوم الرئيس بتعيين الحكومة التى تعمل تحت رقابة مزدوجة من مجلس الشعب ورئيس الجمهورية و يجب أن تحظى بثقة البرلمان ويمكن أن يسحب منها الثقة إذا تقاعست فى أداء الرسالة المكلفة بها. فأهم ما يميز النظام "شبه الرئاسي" هو قدرة الشعب ممثلا فى البرلمان المنتخب على ضبط أداء الرئيس والحكومة من ناحية وازدواجية الرقابة على الحكومة من كل من البرلمان والرئيس فى نفس الوقت من ناحية أخرى أخر بحيث لا يسمح النظام لسلطة بأن تجور على السلطة الأخرى ويباشر كل طرف من أضلاع النظام (السلطة التنفيذية والتشريعية والرقابية والقضائية) دوره المحدد بدقة سلفا بدون تدخل من السلطات الأخرى ويضمن كبح طموح أي سلطة فى السيطرة على سلطة أخرى. وفى كل هذه الدول تمت صياغة الدستور بحيث يكون هو الضامن لهذا الفصل بين السلطات عن طريق تحديد الأطر والحدود التى يتعامل بها رئيس الجمهورية مع الحكومة أو البرلمان أو التى يتعامل بها البرلمان مع الحكومة ورئيس الجمهورية فى المقابل.
أن السعي لتوحيد صفوف المصريين يصبح فرض عين علينا جميعا وهو الجهاد الأكبر الحقيقي الذى يستلزم تضافر جهود كل المصريين،والعمل الجاد القائم على العلم وسهر الليالي وحشد العقول والأفكار من أجل صياغة عقد اجتماعي جديد يضمن عدم الرجوع إلى الوراء مرة ثانية،فالوطن لنا جميعا والوطن أهم دائما وأبقى من دعاة التقسيم والفرقة ورافعي الشعارات والواثبين على السلطة والذين يدعون وحدهم امتلاك الحقيقية والذين نصبوا أنفسهم أولياء على الدين بدون سند شرعي من النص الديني هم من حكموا بتكفير كل من يخالفهم ولا يسير على هواهم..هؤلاء كانوا موجودون فى كل عصر وستظل هذه الدعوات تظهر حينا وتخبو حينا آخر تبعا لحالة العقل المسلم،فحينما تخبو شمعته التى تضيء له الطريق ،تخرج طيور الظلام الجارحة من كهوفها لتهاجمه وتنهش فيه لأنها لا تعيش إلا على الأجسام الضعيفة أو الميتة..!
3/8/2011
Hussein El Charkawi
 
Posts: 6
Joined: Wed Mar 23, 2011 4:27 pm


Return to Articles and Views/ مقالات وأراء

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 2 guests

cron