هل ستغادر سوريا ثقافة كسر العظم وتهز جذع النخلة؟ 2/2

أرسل رأيك أو مقالك هنا

هل ستغادر سوريا ثقافة كسر العظم وتهز جذع النخلة؟ 2/2

Postby علي محمد » Sun Dec 02, 2012 1:14 am

هل ستغادر سوريا ثقافة كسر العظم وتهز جزع النخلة؟ 2/2
-1-
في آذار 2011، خرج شباب سوريون يهتفون للحرية ملوحين بقبضات عارية. طوبى لمن فعل ذلك. لكن الحراك السلمي وبعد بضعة أسابيع فقط وُجِهَ وتَوَجَهَ نحو العنف.
أنتج عقل المعارضة تيارين رئيسين:
تيار ركزا جهده الإعلامي والسياسي على عنف السلطة المفرط ضد المتظاهرين فقط. وبدا ورغم خوضه لتجربة الثمانينيات من القرن الماضي، وكأنه لم يستشف أن عدم التصدي بحزم للعنف الذي من خارج السلطة سيكلف البلاد ثمنا باهظا، وتتشبث برفض أي قول قد تنتفع به السلطة، فاتحا ثغرة تسمح لما يهدد السلم الأهلي بالعبور، مشيحا بصيرته عن سؤال مهم: هل سأتمكن من سدها إذا اتسعت؟.
وحيث يفترض أنه هو من عليه أن يبتدع حلولا لمعادلات الواقع المعقدة،
اكتفى بإلقاء المسؤولية على السلطة، محررا نفسه من مسؤوليته هو تجاه جملة هي الوطن الذي جزء منه هو السلطة نفسها.
وتيار ثان، اختار العنف كأداة رئيسة لمواجهة السلطة، منسجما مع بنيته الثقافية ومشروعها القديم: إقامة سلطتها المستبدة، مضيفا للخوف الذي تظاهر الشباب لكسره خوفا آخر.
ورغم كون المعارضات تنتمي إلى رحم تاريخي قدم للها حكمة جليلة من خلال سورة الكهف. مفادها أن الثغرات تفتح وبمعيار دقيق من أجل حماية السفينة مع ضمان سلامة من فيها. فقد تصرفت كمن لم يسمع بها.
-2-
نجحت طاقة الحراك السلمي بإحداث ومضة، وبعض التصدع في وعاء السائد السياسي السلطوي والمعارض.
الثورة طاقة تهشم الوعاء لتطلق منظومة أخلاقية جديدة، وتدشن مسرحا جديدا للمخيلة ولطاقة الفعل وللعلاقات.
ومضة البدء تلك ستبقى في الذاكرة الجمعية، لتقول: أن ذلك ممكن إذا غير ما في النفوس. ويحتاج تغيير ما في النفس، إلى وعي وإرادة، إلى آليات مناسبة لتفكيك الرديء، وأخرى لبناء البديل الحسن، وإلى زمن.
من على أكتاف طاقة المحبة التي أطلقتها الومضة، أطلق ساسة كسر العظم موجات من طاقة الكراهية، وهُدِرَ الكمون الموجب الذي راكمه المجتمع خلال عقود(كما حصل في مطلع الثمانينيات).
يبدو أن تصفير الكمون الموجب بين حقبة وأخرى، والعودة لنقطة البدء من جديد هو من خصائص بيئة التخلف والاستبداد المديدة التي من رحمها خرجت السلطة والمعارضة.. كما جميع السوريين.
مع الزمن، امتص شبق اللعب بذلك الكمون المسافات بين اليمين واليسار والوسط، مختصرا فضاء الفكر والسياسة في مركز، وفقط. ربما لذلك لم تتمكن المعارضات من بناء إطار جامع لها.
قلة محدودة شذت عن ذلك. ومرة أخرى كان المجتمع هو الضحية.
-3-
يتداول سوريون في أحاديثهم اليومية، حول العقل والضمير السياسي الحاكم لآليات أسهمت بإنتاج الأزمة ثم بتغذيتها.
في السلطة عن آلية رفعت مقام من ثبت أنه فاسد، يسميها البعض ظاهرة العطري. وعن أخرى ترفع شأن قليل الكفاءة الوظيفية في دوائر الدولة ومؤسساتها، وتسمى بالظاهرة الرومانية(1)، وعن مواطن بات بلا ظهر يحميه من فاسدين في مؤسسات الدولة ودوائرها، أومن عقل أمني حرص على إرهابه وجعله يستسلم لدونية مؤلمة.
وفي المعارضة عن ظاهرة "الجنبلاطية ". إذ ثمة شخصيات تسعى كي لا تترك موقعا للتعبير عن حدث معين إلا و تشغله، وكلما تبنت الشخصية رأيا جديدا ينقض أخر تبنته بالأمس، علا شأنها في سوق المعارضة السياسة، وكأنها تثاب لكونها برهنت على أهلية انتماء ضميرها لنادي النخب السياسية، ولكل سوق "شاهبندر".
وعن" جنبلاطية مكانية"، حيث وخلال فترة زمنية قصيرة، تتنقل شخصية سياسية ،"قيادية"، بين عدة منابر سياسية متباينة. وكلما تنقلت أكثر زادت قيمتها، وحجزت لها الدعوات لشغل مكان جديد، مع حفظ " حق العودة" لمكان سبق أن شغلته. من فعلوا ذلك، يشكلون نسبة مهمة في المعارضة. واحدهم نظر وقاد بالأمس للاندفاع نحو اليمين، وعندما يتحقق فشل ذلك مع ما أنتجه من خراب، لا ينسحب منتقدا نفسه ويتقاعد..بل يصر على التنظير والقيادة نحو الوسط، وفي جولة ثالثة نحو اليسار. والمدهش هو أن بيئة السياسة تقبل بذلك، فالجوقة التي تقود تدور بين يمين ويسار ووسط. هي حالة تدفع للظن بعدم وجود معيار، أو يمين ويسار ووسط، بل مركز يسعى كل لشغله، ولإبعاد الآخرين عنه إن أمكن.
المطابخ السياسية المعارضة غير خاضعة للمساءلة، شأنها شأن إدارات مؤسسات الدولة، تحقق أرباحا وهي خاسرة. وإذ باتت تلك المؤسسات تعيش وبفضل الظاهرة الرومانية على موظف واحد ذو كفاءة معيارية.. فثمة ظاهرة تشبهها في المعارضة ذات التاريخ العريق بالحكواتية، والتي تصاب بحكة تحسسيه كلما لامستها فكرة المأسسة.
وفي ضمير النخب السياسية عموما، حول نزعة تذكر بِطُرفَة عن رجل يرفض شراء ورقة يانصيب(لوتو) قبل أن يتأكد من أنها ستربح. وعن نخبوي يعلن رفضه حضور لقاء، انسجاما مع شخصيته الاعتبارية، ثم يقبل بالحضور انطلاقا من شخصية اعتبارية ثانية. وعن تحديد نخبوي قيادي لموقفه من جريمة ترتكب، تبعا لإمكانية توظيفه لها.
ويتداولون حول ثقافة كسر العظم الحاكمة للعقل وللضمير السياسي، وتعيق أو تمنع التوصل لتسوية سياسية للأزمة.
ويدور الحديث في جلساتهم عن دمهم النازف، عن وباء بغضاء ينتشر، عن دمار لحق ببلادهم، عن حروب فوق ترابها، ودول تسعى لتفتيتها وافتراسها، عن تكفيرية سبق لها أن دمرت تماثيل بوذا، وتهدف اليوم تدمير النموذج السوري للتعايش،عن فتاوى للقتل وعن قتل منهجي لعلمائها ولنخبة ضباط دفاعها الجوي وأكاديميتها العسكرية.
عن عصابات مسلحين تنهب بيوتا ومتاجر، عن تجهيزات معامل ومشاف باعها مسلحون في أسواق لبنان وتركيا.
عن فشل الأطراف السياسية السورية المتصارعة في إيجاد مخرج آمن من الأزمة التي تعصف، وساسة يتعاطون معها بعقل مستثمر أو مقاول، عن عقول ترى بعين القوة فقط، وأخرى بعين الثأر.
عن اكتئاب بات ملازما للطفل وللشيخ معا، عن قلق من أن يتحول الراهن إلى حالة مستقرة، وعن جدات يرددن "الله يجيرنا من الأعظم".
في القرن الثالث قبل الميلاد، قال الحكيم الصيني، هان في تسو:
"كل البلدان كبيرة أم صغيرة لديها خلل مشترك، وهو أن الحاكم يحاط ببطانة من عديمي القيمة". والقيمة عند الحكيم "هان" هي ما تنتفع به البلاد وسكانها. ونحسب أن السياسة السورية، كبرت تنظيماتها أم صغرت، تعاني من بطانة فكرية وأخلاقية مشابهة. ثمة فقط ذلك الشذوذ الذي قيل عنه أنه من يثبت (يفضح) القاعدة.
غيمة سوداء تدوم فوق سوريا، ستزداد قتامه إذا لم تفتح حلقة ثقافة كسر العظم.
هي حلقة مستعصية، إلا على ثقافة تكرس رفعة الآخر وليس دونيته وإقصائه. ثقافة تربط بين سيادة القانون كمفتاح لبوابة التطور، وبين ضرورة التكامل مع الآخر المختلف لتحقيق تلك السيادة. ثقافة تمزق الأحزمة المصنعة لمنع العقلين الفردي والجمعي من ملامسة الإمكانيات النافعة لهما، والمتوافرة في الواقع.
أذكر وقفة في معسكر بوخنفالد أمام أفران الغاز. قال رجل من غواتيمالا للبروفسور الألماني الذي كان يرافقنا: كيف فعلوا ذلك؟.
رد الألماني: ستجد بين البشر بيضا صفرا ..كانوا أم سودا، من قد يفعلون ما يشبهه. ذلك كامن في الثقافة البشرية.
قد يكون تنزيه النفس وإدانة الآخر من عوامل التدمير الذاتي، وقد يكون الازدهار كامنا في رؤية فضائل الآخر والاعتراف بها، كما في رؤية عيوب الذات والإقرار بها.
ربما على العقل السياسي السوري أن يشرف على المشهد، أن يغادر البيئة التربة..الخ، التي تنتج سياسته، كي يرى كيف يمكن له أن يصلح السياسة، فالعاهة التي تفتك بسوريا في المقام الأول، ليست شخصا أو حزبا أو جماعة، بل هي ما تتصارع الأطراف السياسية ضمن وعاء تلك البيئة بغباء وحتى اليوم لاحتكاره.
هل ستبحر زوارق المعارضة الوطنية، ومؤتمر الحوار الوطني المأمول نحو ذلك الأفق؟.
هل سنشهد وضع حجر الأساس، لعمارة سياسة صالحة؟.
هل ستولد جبهة سورية واسعة، تعمل على وقف نزيف الدم، ومواجهة أعداء سوريا الطامحين بأن يرونها جاثية على ركبتيها؟.
أن تخرج سوريا من الأزمة واقفة على قدميها, يعني أن فرصة إعادة البناء كما فعلت ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، ستكون في قبضة السوريين المبدعين. ويشهد التاريخ للشخصية السورية بأنها كانت ودائما مبدعة.
تدمير ملكة الإبداع تلك، هدف رئيس للحرب التي يشنها سدنة التكفيرية والعولمة الرأسمالية المتوحشة، كي لا تتمكن سوريا من الوقوف على قدميها ثانية. طاقة كراهية هائلة تضخ لاحتواء تلك الملكة ومن ثم لتدميرها. والدفاع عنها هو في ذمة السوريين جميعا، مجتمعا وسلطة ومعارضة وطنية.
هل سينظر الساسة في مرآة المستقبل، ليرى كل منهم كم سيغدو جميلا ورائعا وبطلا، لو أنه وظف طاقته لإنجاز تسوية سياسية، تحفظ لسوريا قامتها المنتصبة. لتدخل معركة بناء دولة مدنية حديثة ترعى إدارتها الديمقراطية حدائق العدالة والحرية والمساواة، وتفتح الأبواب والنوافذ لعصر أنوار سوري يشع على جواره ويبدد ظلام التكفيرية، كما شع سابق له الأبجدية.
هل من عودة لجبران خليل جبران: "لا تملك المحبة شيئا".
التملك والمحبة ضدان، وإنقاذ سوريا يحتاج لصوت حر جهور لا يبحث عن كسب شخصي، كصوت من حارب الاستعمار الفرنسي ومحاولاته تقسيم سوريا إلى دويلات طائفية، وقال:
روحي فدا وطني وإني مفيدا لم أكن بالمستفيد
وكصوت أدان اغتيال علماء سوريا وندد بتواطؤ الصامتين(وهم كثر)، وحفظ لجيش سوريا الوطني مكانته، وليس لمن يربتون على كل كتف، ويغرقون في بازارات السياسة، فلا ينجلي لهم وجها بل متاهة من متناقضات.
تحتاج سوريا لمن يقض مضجعه نزيف دمها واقتصادها، وليس لمتجر بالسياسة، يتحين فرصة صيد ثمين تلوح من بين ثنايا نهر دم يتدفق.
تحتاج سوريا لأمثال عروة بن الورد، والطائي، وعبد الرحمن الكواكبي، وعز الدين القسام، وفارس الخوري..الخ، وليس لمن هم من فصيلة سعد حداد وشايلوك وبندر، أو من أحفاد ابن جهم.
هل ستغادر سوريا ثقافة كسر العظم وتهز جزع النخلة؟
ذلك هو السؤال.
علي محمد: اللاذقية 19-9-2012
1- اقترنت التسمية بمن اشتروا من جامعات رومانية شهادات دراسية عليا.
علي محمد
 
Posts: 15
Joined: Thu Mar 03, 2011 9:07 pm


Return to Articles and Views/ مقالات وأراء

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 1 guest

cron