في صحبة فاروق شوشة

أرسل رأيك أو مقالك هنا

في صحبة فاروق شوشة

Postby احمد شبلول » Wed Dec 07, 2016 1:29 pm

Image

أحمد فضل شبلول

رحلتَ فجأة عن عالمنا، لم نرك تشكو أو تتألم بل كنت صامدا حتى آخر وقت. لذا كان الفراق مفاجئا وفاجعا.
إن صدى صوتك لا يزال يتردد في أنحاء كثيرة من العالم، ومنها اليونسكو بباريس عندما ألقيتَ قصائد لأحمد شوقي هناك في العام 2006. بعدها قلتُ لك إن أحمد شوقي لو سمعك لجعلك تُلقي كل قصائده بتلك الروعة. صفق الفرنسيون لروعة إلقائك رغم أن معظمهم لم يفهم معنى الكلمات.
سألتني: ألن نسمع صوت الإسكندرية الشعري هنا في اليونسكو، وقلتُ لك: إنني حاضر كإعلامي، ولم أُدع كشاعر.
رسائلك التي كنتَ ترد بها على رسائلي لك عندما كنت أعمل في الرياض، تمثل لي ثروة أدبية ومعنوية.
ما زلتُ أردد مقطعا شعريا عنك في قصيدتي "رائحة البحر" التي كتبتُها عام 1993 أثناء سنوات الغربة أقول فيه:
كانَ الشاعرُ
يبسمُ بهدوءٍ
رغم الدائرةِ المحكمةِ عليه
وبصوتِ الموسيقى في إحرفِهِ
يمنحُكَ أمانَ الشعرِ
ثقافتَك الأدبية.
ما زال استقبالُك لي في مكتبك بمبنى الإذاعة، وفي حضور صديقنا الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبوسنة ماثلا في ذهني وفي وجداني حتى الآن. فقد صدر لك كتاب في السعودية بعنوان "مواجهات ثقافية" وأبلغتُك في أحد خطاباتي لك أنني قرأت الكتاب وكتبت عرضا له في جريدة "الجزيرة" السعودية وقت أن كنت أعمل بالرياض، وأُفاجأ أنك لا تعلم بصدور هذا الكتاب. وعدتُك أن أحضر لك عددا من النسخ في أجازتي القريبة إلى مصر.
حملتُ عدة نسخ ـ لم أتذكر عددها ـ وذهبتُ إليكَ، مررتُ على مكتب صديقي الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبوسنة أولا – كما هي عادتي عندما أذهب إلى هذا المبنى العملاق – ثم اصطحبني أبوسنة إلى مكتبك، وسعدنا برؤيتك لكتابك الجديد، والفرح يتلألأ في عينيك ويشعُّ في قلبك، فيصبح وجهك بستانا من المحبة والإشراق، يغمرنا اخضراره، وعندما أردتَ أن تدفع لي ثمن النُّسَخ، رفضتُ بشدة، بل احمرَّ وجهي خجلا من هذا الموقف، وعندها تدخل أبو سنة قائلا: خلاص يا فاروق .. لا تفسد فرحة أحمد بإحضار الكتاب لك.
كم كانا نبيلين في هذا الموقف وغيره من المواقف، إنه موقف الفرح والبهجة والسعادة والسرور بصدور كتاب جديد لأحد الأصدقاء الأعزاء، ولم يكن أي صديق، إنه فاروق شوشة.
عندما تأخر الساعي في إحضار الشاي الذي طلبتَه لي، وكان ميعاد اجتماع لجنة النصوص بإلإذاعة قد حلّ، أصررت على اصطحابي معك إلى الاجتماع، وعرفتني على أعضاء لجنة النصوص، وكان من بينهم الشاعر مصطفى عبدالرحمن، والإذاعي الكبير وجدي الحكيم، وجلست بينكم ضيفا سعيدا بما يتم طرحه من آراء حول النصوص الغنائية المقدمة للإذاعة المصرية. كان فاروق شوشة هو الذي يقرأ النصوص بصوته الجميل العذب. وكان أعضاء اللجنة الآخرون يصدرون أحكامهم بعيدا عن تأثير إلقاء فاروق شوشة عليهم.
جاء الساعي بكوب الشاي الذي طلبته لي، أردتُ أن أتعجلَ في شربه واحتسائه لإغادر الاجتماع الذي لم أكن عضوا فيه، فطلبتَ مني التمهل لأنني لن أغادر إلا معه بعد انتهاء الاجتماع والاستماع معهم إلى النصوص الغنائية المقدمة للفحص أو الاعتماد.
التقينا كثيرا في الإسكندرية التي كنتَ تحبها وكتبتَ إحدى قصائدك عنها نُشرت في ديوانك "سيدة الماء"، التقينا في مهرجاناتها الشعرية وأمسياتها الثقافية، وسرنا معا على كورنيشها، وفي شوارعها، وخاصة في محطة الرمل، وتحت تمثال سعد زغلول، وجلسنا في "ديليس" وذهبنا إلى فرع الهيئة المصرية العامة للكتاب (سنتر بوك) بشارع سعد زغلول لتسأل عن كتبك هناك، وتتصفح كتب الآخرين التي لم ترها من قبل، ثم تنتقي أحد دواوينك الشعرية الجديدة وتشتريه وتهديني إياه، قلتُ لك: إنه عندي اشتريته وقرأته، فتقول لي: هذه النسخة عليها إهدائي لك. آخذها منك وأقبّلها وأقبلك.
كان المشاة في شوارع محطة الرمل المحيطة بالفندق الذي كنت تنزل فيه، يأتون للسلام عليك، فتبادلهم التحية بتحية أجمل منها.
أوقفتك فتاة جميلة لتُسمعك شيئا من شعرها، وعندما أدركتَ أنها لم تكتب سوى خواطر أدبية، قلتَ لها: اعرضي إنتاجك على الأستاذ أحمد، فسوف يفيدك أكثر. فاقترحتُ عليها أن تأتينا بقصر ثقافة الحرية كل يوم أحد حيث اجتماع أعضاء نادي الشعر، لكنها لم تأت.
كتبتَ عني غير من مرة في جريدة "الأهرام"، وتحدثتَ عني، في أكثر من لقاء تلفزيوني وإذاعي، فكنتَ تُعطيني دفعاتٍ إلى الأمام، وأحس أنني أسير على الدرب الصحيح. ومما قلته عني:
"لم يكن أحمد فضل شبلول ـ في يوم من الأيام ـ مجرد واحد من أصوات الإسكندرية الشعرية المقتحمة‏، وإنما كان ـ بالإضافة الى ذلك ـ واحدا من أبرز الدارسين والباحثين ـ في جيله ـ لواقعها الأدبي والثقافي‏، قبل أن يتجاوز هذه الدائرة الجغرافية الضيقة‏، لتصبح اهتماماته وشواغله باتساع العالم العربي كله‏".‏
وأكدت مدى عمق المحبة وجمال الصحبة والصداقة التي نمت وترعرت بيننا في قولك:
"كان شبلول يصارحني بهمومه وأحزانه كلما لقيته ـ خلال هذه السنوات الطويلة من الاغتراب‏، في القاهرة‏،‏ أو في الرياض ـ من خلال المشاركة في مهرجان الجنادرية ـ كان قلبه ينزف‏، وهو يعرض لحال الجالية المصرية ـ شأنها في كل مكان من العالم العربي ـ وعندما يتفرغ بعض أبنائها لملاحقة البعض الآخر من الناجحين‏، يدسون لهم ويكيدون‏,‏ وينفسون عليهم تفوقهم وتألقهم‏، خاصة من يظن أنهم في موقع الأساتذة الكبار الذين ينبغي أن يكونوا القدوة والصفوة والمثال‏.
وأغلب الظن أنهم الآن ـ وقد انقشعت الغمة وانهمرت السنون وصار كل في طريق ـ نادمون على ما حاولوا القيام به ضد شبلول‏، مناقضا لوعيهم وقيمهم ومسئوليتهم‏".‏
كما كتبتَ عن شعراء آخرين من الإسكندرية منهم: أحمد مبارك وفوزي خضر وفؤاد طمان ود. عبدالحميد محمود ومهدي بندق وغيرهم، وكنتَ بكتاباتك عنهم تجعلنا نعيد قراءتنا لهم لنكتشفهم من جديد، ولا أنسى ما قلته عن الصديق الشاعر فؤاد طمان: "هذا شاعر حقيقي، يجاوز نفسه باستمرار، ويصنع لغته الشعرية على عينه، فانتبهوا يا شعراء الإسكندرية". أحسست أنك توجه لي النداء، أو تعنيني في قولك: "فانتبهوا يا شعراء الإسكندرية"، فأعدت قراءة دواوين فؤاد طمان مرة أخرى وعشت مع قصائده المعبأة بروح الإسكندرية وبحرها الشاسع. بل كتبتُ عنه وأجريتُ معه حوارا تلفزيونيا مطولا عندما كنت أعمل في "قناة البوادي الفضائية".
رعايتك لنا وتقديمك لشعراء من جيلي، جعلني أبادر أنا الآخر بالكتابة عن شعراء من الأجيال الجديدة وأصدرتُ كتابا عنهم بعنوان "شعراء يسكنهم السحاب" أهديته لك قائلا في صفحة الإهداء المطبوعة: "إلى فاروق شوشة .. الشاعر والإنسان واللغة الجميلة" وسعدت أنتَ بهذا الإهداء وقلتَ لصديقنا الناقد الدكتور محمد زكريا عناني عندما التقيتَه في المجلس الأعلى للثقافة، إن شبلول أصدر كتابا بعنوان "شعراء يسكنهم السحاب" وكنت أفكر في إصدار كتاب بعنوان "شعراء يسكنون السحاب"، إلى هذا الحد كانت تتوارد الخواطر والعناوين بيننا؟
قبل ظهور أجهزة الهاتف المحمول، تركتُ لك رقم تليفون حماتي بالقاهرة، وأخبرتُك أنني سوف أكون موجودا هناك لعدة أيام، وإذا بك تتصل على هذا الرقم، فترد عليك حماتي ـ رحمها الله ـ فتعرفُك من صوتك قبل أن تقول لها إنك فاروق شوشة. وظلت سعيدة أنها سمعت صوتك عبر هاتف منزلها، بعد أن كانت تسمعه عبر الإذاعة.
وعندما ظهر الهاتف المحمول، قلت لك أعطني رقم الهاتف المحمول فقلت لي ضاحكا: لا أحمله. ولكنك اضطررت بعد ذلك إلى أن تحمله لتجاري تطورات العصر. كان صوتك يأتيني منه خاصة بعد أن سافرتُ للعمل في مجلة "العربي" الكويتية، فكنت تتصل بي لتتأكد من وصول مقالك الشهري الجميل والمفيد "جمال العربية"، وأنه وصل سليما عبر جهاز الفاكس. كنت أنا سعيدا لأنني أقرأ مقالك الشهري قبل كل القراء، وقبل أن يصدر العدد الجديد من المجلة.
اتصلتَ بي – تليفونيا - ذات مرة مرشحا كاتبة تجيد الكتابة للأطفال، لنعتني بكتاباتها التي ترسلها لمجلة "العربي الصغير"، وكان ترشيحك موفقا، فكانت الكاتبة سماح أبوبكر عزت (ابنة الفنان السينمائي والمسرحي العزيز عليك وعلينا أبوبكر عزت) من الكاتبات المجيدات بالمجلة، واستمرت تحرر بابا ثابتا بها لسنوات عدة، حتى بعد أن تركتُ العمل بها.
التقينا في مراكش بالمغرب ضمن فعاليات دورة مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري 2014 عن الشاعر أبي تمام، وكنتُ أعمل وقتها في قناة البابطين الثقافية التابعة لقناة البوادي الفضائية التي يمتلكها الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين (الذي قرر منح جائزة مؤسسته التكريمية لاسمك في العام 2017). وكنت أجري - مع زميلة مغربية - لقاءات مع الضيوف والمشاركين والشعراء والمسئولين. وأحببتُ أن أُجري معك لقاء تلفزيونيا في حدود خمس دقائق، لأكون أنا المذيع – هذه المرة - وأنت الضيف اللامع، فكنتَ كريما معي ومنحتني ما يقرب من الربع ساعة، لم نحذف منها في المونتاج حرفا واحدا، كيف نحذف وأنت ملك الكلام، وحارس اللغة، وصاحب الحضور الشامخ والجميل والمؤثر على الشاشة التلفزيونية.
وهذا يعود بي إلى أول حوار صحفي أجريته معك (عام 1985)، حيث كنت أعمل وقتها مراسلا لصفحة "ثقافة وأدب" بجريدة "الجزيرة" السعودية، وكان أول حوار أجريه للجريدة – في الثمانينيات - مع الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبوسنة في بهو فندق سيسل بالإسكندرية، وجلسنا طويلا نتحدث. أما أنت فوقتك كان ضيقا في زيارتك للإسكندرية، طلبت مني كتابة الأسئلة في ورقة، لتجيب عنها عندما تعود إلى القاهرة، ظننت في بداية الأمر أنه نوع من التهرُّب من اللقاء الصحفي، لكني كتبتُ الأسئلة كما طلبتَ مني. في الزيارة التالية للإسكندرية، كانت معك الإجابات بخط يدك. كنتَ على يقين أننا سوف نلتقي، سلمتَها لي، ونُشرت في مساحة واسعة بالجريدة السعودية.
لم تكن طاووسا في يوم من الأيام، وخاصة في أمسياتك وندواتك الشعرية التي تشارك فيها معنا، كنت تحتضن الجميع وتبتسم في وجه الجميع، وتحنو على الجميع صغارا وكبارا، وحينما تنتهي الأمسية أو الندوة ونعود إلى الفندق أو مكان الإقامة، نتحلق حولك مرة أخرى ونسمعك شعرنا مجددا، وحينما يجئ دورك ونطلب منك أن تقرأ من أشعارك، تطلب منا أن نختار أي قصيدة في التراث العربي لتسمعنا إياها عن ظهر قلب، حيث لم تكن تحفظ شعرك، ودواوينك كنت قد أسكنتها بغرفة الفندق قبل أن تهبط إلينا ونلتقي مجددا في إحدى صالات الفندق أو قاعاته.
الذكريات كثيرة في صحبة ومحبة فاروق شوشة، الذي كتبتُ عنه وكتبَ عني، ولا يتسع المجال لذكرها جميعا، رحمه الله رحمة واسعة.
احمد شبلول
 
Posts: 4
Joined: Fri Mar 04, 2011 10:11 am


Return to Articles and Views/ مقالات وأراء

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 1 guest

cron