الثورة الشعبية فى مصر: إعادة قراءة

أرسل رأيك أو مقالك هنا

الثورة الشعبية فى مصر: إعادة قراءة

Postby ayman_asmr » Sat Apr 21, 2012 5:42 pm

عندما بدأ مشروع الثورة الشعبية المصرية فى 25 يناير 2011 وعشنا جميعا ثمانية عشر يوما مضيئة ، اعتقدت واعتقد الكثيرون مثلى أننا قد عبرنا عقودا طويلة متصلة من القمع والاستبداد ، غياب الرؤية أو تشوشها ، سوء الإدارة والفساد ، وأن الثورة لن تتوقف قبل أن تحقق كامل أهدافها المشروعة من هدم شامل وإزالة كاملة لنظام فقد شرعيته ومقومات وجوده ، والتأسيس لقواعد بناء نظام جديد يعيد لمصر مكانتها ودورها الفاعل فى محيطها الإقليمى والعالمى ، ويوفر للمواطن المصرى البسيط ما يستحقه من حياة كريمة يتوفر له فيها القدر المناسب من الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية بما يجعله متفرغا للعمل والإنتاج وخوض معركة التنمية الشاملة ، ويتيح له المشاركة الإيجابية فى الحياة السياسية والتحول بالبلاد إلى مجتمع مدنى عصرى يضمن احترام كافة الأطياف والتيارات ويمنحها الفرصة الكاملة للتعبير عن نفسها بشكل شرعى وشفاف ودونما عقد أو إملاء ، كما يضمن لهذه الأطياف والتيارات أن يتم تمثيلها بصورة متناسبة مع حجمها الطبيعى فى المجتمع دونما تهوين أو تهويل.
كنت أظن ذلك وأحلم به وأكاد أراه يتحقق أمام عينى مخضبا بدماء الشهداء ، وبراءة الشباب وحماستهم ، وعفوية وتلقائية جموع الشعب التى خرجت إلى الشوارع والميادين ، واعتقدت أنه ستصلح وتصدق نوايا كافة الأطياف والتيارات فى مصر ، وسيرتقى الجميع لمستوى الحدث والتضحيات وسيتم التخلى - ولو مؤقتا - عن الأغراض الشخصية والجمعية ، والخلافات الفكرية والإيديولوجية ، والمصالح الضيقة والحسابات الخاصة من أجل إعادة بناء مصر.
غير أن ما حدث من اتفاقات وتفاهمات داخلية وخارجية غامضة أدت إلى تسليم السلطة فى 11 فبراير 2011 لجناح أساسى ومكون رئيسى من مكونات النظام الذى ينبغى هدمه وإزالته وأعنى بذلك المجلس الأعلى للقوات المسلحة (المجلس العسكرى) ، فضلا عن بقاء كافة هياكل ومؤسسات هذا النظام - تقريبا - كما هى ، وقبول النخبة العاجزة ومن ورائها الشعب المفتقد للوعى والقيادة لهذا الانتقال ، والتخلى ببراءة أو سذاجة شديدة عن الثورة والاحتفال بما تحقق من تغيير شكلى ، تسبب كل ذلك فى إطلاق رصاصة قاتلة غادرة على الثورة مما أدى لإجهاضها ووأدها فى مهدها ، وبدلا من أن تنتقل السلطة إلى الشعب أو إلى من يختاره الشعب عادت السلطة بكل بساطة إلى يد النظام القديم ولكن بصورة مختلفة ، فتبخر كل شئ فجأة وبدأنا السير فى مسار من الفوضى والضبابية وانعدام الأمن وافتقاد الاستقرار وهى أمور مقصودة ومخطط لها فى أغلب الأحيان سواء بالعمد أو التواطؤ أو التخاذل ، وعادت القوى السياسية المختلفة لحالتها القديمة من التناحر ، وفشلت فى الوصول إلى لغة حوار وتفاهم مناسبة ، كما فشلت فى التوافق حول الأهداف الكبرى والعاجلة التى يجب الالتزام بها لتحقيق أحلام الثورة المجهضة ، وفشلت أخيرا فى القيام بدورها القيادى والتنويرى - المفترض - وإشعال شرارة الوعى والمعرفة داخل الفئات المختلفة للمجتمع المصرى.
وجاء الاستفتاء على التعديلات الدستورية ولم تفهم غالبية النخبة العاجزة أنه لا فرق يذكر بين "نعم" أو "لا" فالمأساة بدأت بالفعل فى 11 فبراير وليس فى 19 مارس ، وكنت شخصيا مقتنعا – ولا أزال – أن المسار الذى انزلقنا إليه دون وعى لن يغيره "نعم" أو "لا" ، وأن أى شيء قد أصبح قابلا للتلاعب به فى أى وقت وأية مرحلة وتحت أى مسمى ولأى سبب أو ذريعة بغض النظر عن نتيجة الاستفتاء ، المهم هو أن يبقى النظام القائم على ما هو عليه مع تغيير شكلى لا يسمن ولا يغنى من جوع ، وازداد اقتناعى يوما بعد يوم أن التغيير الحقيقى لهذا المسار المضطرب الذى لا ولن يؤدى إلى خير أبدا لن يكون سوى بثورة حقيقية مكتملة لا تتوقف أبدا إلا بعد أن يتم إسقاط النظام القائم بكافة عناصره أفرادا ومؤسسات ، وتأسيس نظام جديد يرتكز على منهج تفكير جديد ، ولغة خطاب جديدة ، وآليات عمل جديدة ، ووجوه جديدة ، ووضع أسس بناء دولة حديثة ، فاعلة ، واثقة ، قادرة على تصحيح مسارها بصورة ديمقراطية وقادرة على تلبية متطلبات شعبها بعدالة ودون تمييز.
ثم جاءت مرحلة انتخابات مجلسى الشعب والشورى – رغم ما بها من إيجابيات – وما تبعها من مراحل تتعلق بكتابة الدستور وانتخاب رئيس للجمهورية ، لتشكل حلقات جديدة من المخطط المرسوم بعناية لزيادة الفرقة والتناحر بين الأطياف المختلفة للمجتمع المصرى ، فانشغلنا بأمور جانبية وتفصيلات صغيرة ، ومعارك شخصية هزلية ، وسخرية عاجزة لا تتوقف ، وتهكمات وبذاءات من كل لون ونوع ، وتراشق الجميع بكل ما هو مسموح به أو غير مسموح ، وتمت الإساءة من كل الأطراف للدين والقانون والأعراف والتقاليد بل حتى للقيم الإنسانية العامة ، وفى ظل هذه الغفلة من الجميع تصاعد التخريب المتعمد والمنتظم لكافة مقومات الدولة حتى كادت أن تنهار تماما.
ثم اكتشفنا فجأة أنه فى خلال شهرين على أقصى تقدير يجب علينا أن نضع دستورا وأن ننتخب رئيسا فى ظل هذا الحالة من الفوضى والاضطراب وغياب الرؤية وانعدام المعايير والشك فى كل شيء ، والنتيجة المنطقية أنه إذا اكتمل الأمران بالفعل فى ظل هذه الحالة البائسة لنتج عنها دستورا ميتا ، ورئيسا عاجزا أو متواطئا أو فاقدا للحد الأدنى من مقومات المنصب ، وفى كل الأحوال لن يتحقق الاستقرار المنشود ولن يتم إعادة بناء الدولة على الأسس السابق الإشارة إليها ، وستنفجر الأوضاع لا محالة فى أى وقت ولأى سبب.
وأظن أننى قد وصلت إلى قناعة أنه حتى الدستور والرئيس – على أهميتهما – لا قيمة لهما فى ظل غياب الدولة وانهيارها ، ولن يكون ذلك كما قلت سابقا – وسأضطر لتكراره – إلا بثورة حقيقية مكتملة لا تتوقف أبدا إلا بعد تحقيق أهدافها كاملة دون مساومة ، تضع أقدامنا على بداية المسار الصحيح لإعادة بناء الفرد والمجتمع والدولة بمؤسساتها المختلفة ، وهو طريق شاق وطويل لكن المهم أن نضع أقدامنا عليه بالفعل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قاص وروائي مصري

http://www.deltaelyoum.com/articledetails.php?id=2001
ayman_asmr
 
Posts: 63
Joined: Mon Nov 10, 2008 3:59 pm


Return to Articles and Views/ مقالات وأراء

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 1 guest

cron