المشروع الثقافي الفلسطيني

المشروع الثقافي الفلسطيني

Postby جميل السلحوت » Wed Oct 06, 2010 3:26 pm

المشروع الثقافي الفلسطيني
د.سلام فياض والمشروع الثقافي:
في اللقاء الذي دعا اليه دولة رئيس الوزراء د.سلام فياض مساء 29حزيران 2010مع حوالي خمسين شخصا من المثقفين كتابا وفنانين وصحفيين ومبدعين، وبحضور وزيرة الثقافة الأخت سهام البرغوثي، ووزير الثقافة الأسبق يحيى يخلف ومسؤولين آخرين، اقتصر الحديث على المشروع الثقافي الفلسطيني الذي نريده في هذه المرحلة على الأقل، ومعروف عن الدكتور فياض أنه يعمل اكثر مما يقول، ويبدو أن حكومته تعمل على بلورة مشروع ثقافي ستتبنى عملية ادارته ودعمه، وأراد من هذا الاجتماع أن يستعين بآراء نخبة من المثقفين قبل اخراج المشروع الى حيز التنفيذ، لذا فقد تحدث بايجاز، وترك الحديث للحضور، وكتب الملاحظات والأفكار اللافتة التي سمعها، تحدث بجمل قصيرة وقليلة، كل واحدة منها تشكل عنوانا بحثيا، مثل: الثقافة الديموقراطية المنفتحة، أولويات الخطة الثقافية، مبادرات وخطط محددة وواضحة وقابلة للتنفيذ، وصندوق التنمية الثقافية، واستمع الى طروحات عدد من المثقفين الذين حضروا الاجتماع، كما استمع الى بعض الهموم الشخصية، كان حريصا أن يسمع أكثر من أن يتكلم.
وطرح الأديب يحيى يخلف عناوين خطط وزارة الثقافة حول المشروع الثقافي ومنها: الثقافة والتنمية، الثقافة وحقوق الانسان، البعد الثقافي في المناهج الدراسية، احياء التراث الثقافي، حماية التراث الثقافي من آثار وغيرها، البعد القومي والانساني للثقافة الفلسطينية، المكتبة الوطنية، جوائز الدولة التشجيعية، البنى التحتية للثقافة من مراكز ثقافية ومسارح ودور سينما ودور نشر وغيرها.
واستمع الى انتقادات لاذعة للترهل في مؤسسات السلطة، وعدم الاهتمام بالثقافة، ومشاكل النشر،والشللية الموجودة في المؤسسات الثقافية، وعدم تخصيص جزء كاف من ميزانية السلطة للثقافة، حيث أن نسبة المخصصات الحالية هي اثنان في الألف، وغيرها من الأمور ذات العلاقة بالهمّ الثقافي.
ومبادرة رئيس الوزراء للاجتماع بالمثقفين تكاد تكون الأولى من نوعها منذ تأسيس السلطة، مع أنه سبق وأن اجتمع مع ادارات الجامعات واتحاد الكتاب بهذا الخصوص، مما يعني أن لديه ما يقوله وما يفعله وما سيفعله، وأنه يعطي الثقافة اهتماما خاصا مما أثلج صدور المثقفين، الذين تكلموا بأريحية تامة وبوضوح تام، فانتقدوا السلبيات وطالبوا بتعزيز الايجابيات، وحتى ان رئيس الوزراء ابتسم عندما وصف أحد الحضور بعض الوزراء بالجهل الثقافي، فلم يدافع عن أي وزير،أو أي سياسة تماما مثلما لم يعترض على أي انتقاد.
وواضح تماما أن رئيس الوزراء يدرك تماما دور المثقف في التغيير المطلوب، والنهوض بالمجتمع، لذا فقد حرض المثقفين على انتقاد المظاهر السلبية في المجتمع، وتحريض السياسيين على تلمس مشاكل الشعب لبناء مؤسسات الدولة العتيدة.
وبما أن دور المثقف يسبق دور السياسي فقد كان التوجه واضحا في تعزيز هذا الدور، دون رقابة وبحرية تامة، في أجواء ديموقراطية تحفظ حرية التعددية الفكرية بما يخدم المصالح العليا للشعب الفلسطيني، فهل يتنادى المثقفون الفلسطينيون الى بلورة أفكارهم وتحديد رؤاهم وخططهم الثقافية، وتقديمها لرئيس الوزراء ولوزارة الثقافة لاخراجها الى حيز التنفيذ؟ فقد ألقى رئيس الوزراء الكرة في ملعبهم، وهو على استعداد لتنفيذ المطلوب من الحكومة بهذا الخصوص، وقد كان لافتا انتباهه الشديد باقتراح أحد المثقفين المرموقين بتشكيل صندوق أو ديوان للمطالب وليس للمظالم، ونأمل أن يكون هذا اللقاء مقدمة للقاءات قادمة للوصول الى النتائج المتوخاة.


الثقافة الديموقراطية:
وفي اللقاء طُرحت قضية الثقافة الديموقراطية، فهل هناك ثقافة ديموقراطية وثقافة ديكتاتورية؟ أم أن المقصود هو ضمان حرية الرأي والكتابة والنشر للمثقفين دون حسيب أو رقيب؟ فالديموقراطية تربية وسلوك وليست صندوق انتخابات فقط ، وعند الحديث عن الديموقراطية والديكتاتورية يتبادر الى الذهن ممارسات النظام والحكومة، كونهم السلطة التنفيذية، لكنهم قلة من ينتبهون الى ممارسات المثقفين بهذا الخصوص، فعلى سبيل المثال: هل كانت انتخابات الاتحاد العام للكتاب الفلسطينيين الأخيرة حرة ونزيهة، من حيث الترتيب والاعداد والتوقيت، وتوجيه الدعوات لأعضاء الاتحاد، أم أنها كانت كولسات ومؤامرات فغضب من غضب ورضي من رضي واستقال من استقال، وغير ذلك؟ وهل النقابات تمارس الديموقراطية في ترتيب أمورها وانتخاب هيئاتها الادارية دون تدخل متنفذين في تنظيمات لتغليب فئة متجانسة-وقد يكون التجانس على باطل- على فئة أخرى، أعرف شخصا متعلما وذكيا وظيفته النصب والاحتيال والسرقة بشكل يومي ومستمر لسنوات، ولا يمارس أي عمل في مجال تخصصه العلمي، وهو عضو في أكثر من مؤسسة خيرية أو اجتماعية، وعضو منتخب في الهيئة الادارية لنقابته، مع انه سبق وسرقها واحتال عليها وعلى غيرها بشهادة الشهود والوثائق التي تدينه، ومع انه معروف للقاصي والداني الا أنه يجد دعما من اتجاه سياسي مع انه مشكوك الى درجة اليقين بصدق انتمائه، ولم يعترض أحد على ترشيحه، ولم تجر محاسبته رغم الشكاوي المقدمة ضده، فهل هذه تندرج ضمن ديموقراطية"المتعلمين"؟.
ويبقى السؤال حول مدى ممارسة المثقفين قولا وفعلا للديموقراطية، وحول دورهم التوعوي في التربية الديموقراطية، فالنظام الأساسي- الدستور- يضمن الحريات الديموقراطية، يضمن حرية الرأي وحرية التعددية الفكرية وحرية المعتقد، وحرية الرأي والنشر واستقلالية الصحافة، ويضمن حقوق المرأة والطفل...الخ، لكن أين دور المثقفين؟
ننتقد وبحدة الترهل وممارسة البعض للفساد في مؤسسات السلطة، وهذا حق في سبيل الوصول للأفضل، لكن المؤسسات الثقافية أيضا تعاني من الترهل وعدم الانضباط وممارسة الفساد، حتى بات عندنا ما يشبه"المافيا الثقافية" ولا تجد من يحاسبها، أو يحاسب القائمين عليها، فمثلا عملية نشر الكتب تتم بناء على المحسوبيات والعلاقات الشخصية أو التنظيمية، وليس بناء على صلاحية المادة المنشورة، ومن لا يملك هذه "المقومات"عليه ان ينشر على حسابه الخاص، أو أن يبقى نتاجه حبيس الأدراج، وهذا لا يقتصر على المؤسسات المدنية فقط بل يتعداها الى المؤسسات الرسمية كوزارة الثقافة، أعرف كتابا طبعوا كتبا لهم على نفقتهم الخاصة، وتقدموا بطلبات لوزارة الثقافة كي تشتري منهم مائتي نسخة كمساهمة في تغطية التكلفة، ولم يتلقوا اجابة على طلبهم، وواحد منهم تلقى اجابة شفوية من موظف كبير بالايجاب بعد موافقة رأس الوزارة، وبعد ايام تم التراجع عن الموافقة لأن اللجنة المختصة رفضت ذلك بحجة وجود أولويات، وعدم وجود أموال، فهل اللجنة المذكورة مؤهلة للقيام بتحديد الأولويات؟ وهل حقا لا توجد أموال، خصوصا وأنه تم بعد ذلك طباعة وشراء كتب لأشخاص معينين؟
وبعض مؤسسات المجتمع المدني الثقافية ان لم نقل جميعها تتلقى تمويلا من جهات اجنبية ضمن شروط الجهة المانحة التي تتعارض والمصالح العليا للشعب والقضية، فهل يندرج هذا ضمن الممارسة الديموقراطية للمثقفين؟ وما هو موقف المؤسسة الرسمية من ذلك؟
وبعض المؤسسات الصحفية تمارس سياسة قمع الحريات الفكرية من خلال رقابة ذاتية، لا علاقة للمؤسسة الرسمية بها، فتمنع النشر لبعض الكتاب واصحاب الرأي إما لعدم التوافق السياسي، أو لمزاجية المحرر الصحفي بناء على العلاقات الشخصية، حتى أن أحد الصحفيين لا يزال يفاخر بأنه كان يمنع نشر بعض الرسومات الكاريكاتورية للشهيد ناجي العلي، فهل المثقفون في غالبيتهم غير مقتنعين بالممارسة الديموقراطية، أم أنهم يجهلونها؟ والا فما هو تفسير أن بعض المثقفين يقومون بدور تحريضي -سواء كان بقصد أو دون قصد- في تغذية الخلاف والانشقاق على الساحة الفلسطينية، كما أن بعض المثقفين يكتبون متهمين من لا يوافقهم الرأي بالخيانة والكفر، صحيح أننا لا نزال في مرحلة تحرر وطني، فوطننا لا يزال يرزخ تحت احتلال بغيض أهلك البشر والشجر والحجر، لكن هذا لايمنع من اقامة البنى التحتية للدولة العتيدة، وهذا ما نوه له د. سلام فياض في نهاية اللقاء آنف الذكر، وعلى المثقفين أن يساهموا قولا وفعلا وبنزاهة ومصداقية في ترسيخ القيم الديموقراطية النابعة من تراثنا القومي والديني، والاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى في هذا المجال بما يخدم المصالح العليا لشعبنا وقضيتنا.
الانفتاح الثقافي:
وفي نفس اللقاء مع دولة رئيس الوزراء د. سلام فياض طرح دولته بكلماته القصيرة جدا في افتتاح اللقاء حول المشروع الثقافي الذي نريده قضية الثقافة الديموقراطية المنفتحة، وهذه قضية كبيرة يجب الانتباه لها، فقد تحدثنا في السطور السابقة عن"الثقافة الديموقراطية" وسنواصل حديثنا عن الانفتاح الثقافي، وهذا يثير أسئلة كثيرة منها: هل نحن منفتحون ثقافيا أم منغلقون؟ وهل ثقافتنا منفتحة أم منغلقة؟ وهل الحديث عن الانفتاح الثقافي يدخلنا في الخوض في"بعبع" التطبيع الثقافي؟ ومن هو الآخر الذي سننفتح عليه ثقافيا؟ وما مدى انفتاحنا الثقافي على الثقافات الأخرى؟ وما مدى اطلاعنا على الثقافات الأخرى؟ وما مدى جديتنا في إطلاع الثقافات الأخرى على ثقافتنا؟ وهل الانفتاح الثقافي هو "العولمة" التي يتخوف البعض منها؟ أسئلة كثيرة كل واحد منها يحتاج الى دراسة بحثية حتى نصل الى تثبيت الموقف الصحيح وتعميمه.
فلو عدنا قليلا الى الوراء عندما سادت الثقافة العربية الثقافات العالمية، حينما كانت دولتنا قوية وتعرف ما تريد، فقد ذكرت كتب التاريخ أن الترجمات عن الثقافات الأخرى بلغت أوجها في عصر الخليفة العباسي المأمون، حيث كان يعطي المترجم وزن الكتاب الذي ترجمه ذهبا، وجاء تقرير اليونسكو هذا العام ليقول أن ما يترجم الى الاسبانية في العام الواحد يعادل ما ترجم الى العربية منذ عصر المأمون حتى الآن، وبما أننا من "أمة اقرأ" التي أصبحت لا تقرأ فان اكبر دور النشر العربية تطبع عشرة آلاف نسخة من المؤلفات الجديدة لمشاهير المبدعين والمفكرين، توزع في مختلف الأقطار العربية، بينما توزع كتاباتهم المترجمة الى لغات أخرى بملايين النسخ أمثال الراحلين ادوارد سعيد،نجيب محفوظ، محمود درويش وآخرين، كما أننا عالة على الثقافات الأخرى، حيث لم يخرج من بين ظهرانينا من ينتج ثقافة منذ ابن خلدون الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي سوى ادوارد سعيد.
ولا خلاف على أن الثقافة الانسانية ملك للإنسانية جمعاء بغض النظر عن منتجها، سواء كان عدوا أو صديقا، فعلى سبيل المثال عندما قامت احدى دور النشر الاسرائيلية بترجمة رائعة الشهيد غسان كنفاني(رجال في الشمس)كتبت في التقديم(حتى المخربين يستطيعون ابداع أدب راق،فهذا المخرب خدم قضيته بقلمه أكثر من كتيبة مخربين مسلحة)وأجمع النقاد على أن الراحل الكبير محمود درويش حمل القضية الفلسطينية، وخدمها اكثر من الدبلوماسية العربية، في حين أن المبدعين الآخرين حملتهم القضية الفلسطينية،وكلاهما كنفاني ودرويش كانا يجيدان أكثر من لغة، واطلعوا على الآداب الأخرى بلغتها الأمّ.
ونظرا لانغلاقنا الثقافي فان اسرائيل والعالم الغربي يعلمون عنا كل شيء بينما لا نعلم عنهم الا القشور، وتقوم مراكز ابحاثهم بدراسة وتحليل كل ما يصدر في العالم العربي من مطبوعات بما في ذلك المناهج الدراسية في المدارس والجامعات، وبالتالي فهم يواجهوننا ثقافيا من خلال اطلاعهم على ثقافتنا، بينما يخشى بعضنا الترجمات عن العبرية مثلا خوفا من الوقوع في فخ"التطبيع" دون أن يعي أننا واقعون في فخ"التضبيع"، وحتى خطباء المساجد عندنا، فانهم في غالبيتهم عندما يتطرقون الى الآخر في خطبهم، فانهم يقعون في مغالطات محزنة، ليس عن قصد بل عن جهل.
كما أن طاحونة اعلام الآخر تقوم بتشويه صورتنا الانسانية عن قصد ومعرفة وعلم، ويؤثر في ذلك على شعوبنا المغيبة عن الحقائق، في حين نرى اعلامنا مغيبا عن نقل حقائقنا وواقعنا عن الشعوب الأخرى، فظهرنا في عيون تلك الشعوب كقتلة ومجرمين ومخربين مع أننا شعوبا وأوطانا ضحايا للقتلة والمجرمين والمخربين والارهابيين والاستعماريين، واذا ما كان التثاقف والتبادل الثقافي يقرب بين الشعوب، ويعزز السلم العالمي فما الخطأ في ذلك؟ فنحن ورثة حضارة انسانية عريقة، ولا نعشق الحروب، بل نحن كما قال شاعرنا(لا نعشق الموت ولكننا ندفع الموت عن أرضنا).وعملية التثاقف تستدعي الترجمة من الثقافات الأخرى الى العربية ومنها، لكن المحزن أن الثقافة تأتي في آخر اهتمامات النظام العربي الرسمي-مع الأسف- فهل انتبه د.سلام فياض الى ذلك عندما اجتمع بعشرات المثقفين الفلسطينيين واستمع الى آرائهم؟ وهذا ما اعتقده، ونحن في انتظار أن يعلق الجرس.
الآثار والموروث الشعبي:
ومن المواضيع التي طُرحت أثناء اللقاء مع دولة رئيس رئيس الوزراء الدكتور سلام فياض، قضية الآثار والموروث الشعبي، وهاتان قضيتان كبيرتان وتحتاجان الى جهد كبير، فبلادنا فلسطين رغم صغر مساحتها، وكثرة الطامعين فيها، الا انها تشكل متحفا كبيرا يحوي أثار من عاشوا فيها، وبلادنا معروفة بتعدديتها الثقافية كونها مهد للديانات السماوية، وفي ذلك اللقاء لفت الدكتور حمدان طه الأنظار الى عدة أمور هامة، منها وجود ألفي موقع أثري في أراضي الدولة الفلسطينية العتيدة-الضفة الغربية وقطاع غزة- ومنها أثار يهودية، مؤكدا أن الاثار اليهودية في فلسطين ملك للشعب الفلسطيني، فاليهود الفلسطينيون عرب من أتباع الديانة اليهودية، تماما مثلما يوجد مسيحيون عرب، وان كانت الغالبية العظمى من الشعب مسلمين، الا أن هذا لا ينفي وجود أتباع للديانتين السماويتين الأخرتين، وأقرب مثال على ذلك اليهود السامريون الذين عاشوا ولا يزالون في مدينة نابلس كمواطنين كاملي الحقوق والواجبات، واذا ما استطاعت الصهيونية العالمية تحويل اليهود في اسرائيل الى قومية، فان هذا لا يعني أن من حق اسرائيل أن ترث حضارات الشعوب الأخرى التي عاش فيها يهود، والا لكانت سترث العالم أجمع، فاليهود عاشوا في غالبية دول الشرق الأوسط مثل :العراق، ايران، سوريا، لبنان، اليمن، اثيوبيا، مصر، ليبيا، الجزائر، المغرب، والهند، وغالبية الدول الأوروبية مثل بولندا، روسيا، المانيا، فرنسا، بريطانيا، اسبانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وبعض دول أمريكا اللاتينية واستراليا.
وقد حافظ العرب والمسلمون على الاثار الموجودة في بلدانهم عبر التاريخ، من منطلقات حضارية انسانية، كونها تمثل ارثا حضاريا لشعوبهم، وليس أدل على ذلك من الاثار الفرعونية في مصر، ومع أن الاثار اليهودية في فلسطين قليلة، والأطماع الصهيونية في فلسطين التاريخية غير محدودة، الا أنها تبقى أثارا فلسطينية عربية، بل جزء من الفسيفساء الحضارية لشعبنا وأمتنا، وقد حافظ العرب والمسلمون عبر التاريخ على هذه الاثار، لأنهم أصحاب حضارة انسانية عريقة، تستوعب التعددية الثقافية والدينية، وتفهم معناها، ولسنا من أصحاب الفكر الظلامي الأعمى كما فعل الصهاينة بتدمير أكثر من خمسمائة قرية وتجمع سكاني فلسطيني عربي، ومحوها عن الوجود في محاولة منهم لترسيخ مقولتهم الكاذبة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض). وما فتئوا ينبشون باطن الأرض بحثا عن الأثار التي يسرقونها ويضعونها في متاحفهم بعد محاولات تزييف نسبها وأصولها، ولا يخفى على أحد أن اسرائيل المحتلة قد نهبت من الأراضي المحتلة، وفي مقدمتها القدس الشريف كنوزا أثرية لا تقدر بثمن، هي نتيجة حضارات الحقب التاريخية المختلفة في فلسطين، وهنا يأتي دور السلطة الفلسطينية والدولة الفلسطينية العتيدة بالمطالبة بهذه الاثار واسترجاعها، كما أن لصوص الآثار ينبشون باطن الأرض بحثا عن الآثار ويبيعونها الى جهات أجنبية ومعادية بأثمان بخسة.
وهنا يأتي دور وزارة الآثار الفلسطينية بحماية المواقع الأثرية، واستخراج كنوزها، وتأمينها في متحف وطني أصبح بناؤه ضرورة ملحة، ضمن مشروعنا الثقافي ومساهماتنا في بناء مؤسسات دولتنا العتيدة بعاصمتها القدس الشريف.
أمّا تراثنا الشعبي-المادي والقولي- فانه تعرض ولا يزال الى محاولات السرقة والطمس والتشويه، ساعد في ذلك النكبات التي تعرض لها شعبنا، وتشتيته في مختلف بقاع الأرض، وقد اقتصرت محاولات جمعه والحفاظ عليه الى جهود فردية من بعض الغيورين، ولا يفوتنا هنا التنويه الى الدور الريادي لجمعية انعاش الأسرة في البيرة، التي فيها متحف شعبي متواضع، والتي أصدرت مجلة"التراث والمجتمع" وبعض الأبحاث والدراسات الفلكلورية، لكن هذا لا يعفي وزارة الثقافة من تأسيس هيئة رسمية يديرها ويشغلها أكفياء مختصون ومهتمون لجمع هذا التراث وتدوينه، وايداع المادي منه في المتاحف، فالتراث الشعبي جزء أساسي من مكونات الهوية الوطنية لأيّ شعب، وموروثنا الشعبي غزير غزارة مساهمة شعبنا في بناء الحضارة الانسانية، ولا يمكن تصور مشروع ثقافي يستثني التراث الشعبي الذي ينهل منه مبدعو الشعب والأمة، ولنا دراسة مطولة بهذا الخصوص سننشرها قريبا.
دار النشر الوطنية:
وفي اللقاء مع دولة رئيس الوزراء د.سلام فياض تم طرح ضرورة انشاء دار نشر وطنية كواحد من العناوين الثقافية التي تم التطرق اليها.
فالكاتب يقلق، يشعر، يحزن، يفرح، يتأثر، يسهر، يضغط وقته، يعصر أفكاره ويسكبها حبرا على ورق، ويقف امام الحقيقة المرة، أين سينشر؟ وكيف؟ ومن سينشر له؟ وكم سيكلفه ذلك؟ وليس ماذا سيجني من ذلك؟ لكنه في كل الأحوال يريد أن يرى ثمرة جهده بين دفتي كتاب.
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي دعمت الدائرة الثقافية في منظمة التحرير الفلسطينية عددا من الصحف والمجلات ودور النشر، لأنها كانت معنية بتأسيس ثقافة فلسطينية في مواجهة الاحتلال، ورأى بعض (المدعومين) في ذلك مشروعا تجاريا يدر عليهم دخلا، مع أن عدد القراء عندنا محدود، وينحصر في المثقفين وأشباههم من متعاطي الأدب والسياسة، وكان للاحتلال دور غير مقصود في النشر من خلال وضعه قيودا رقابية عسكرية على المطبوعات من صحافة وكتب، ومنع استيراد الكتب من الخارج ضمن حصار ثقافي وصل الى منع نشر وتداول اكثر من خمسة آلاف كتاب لكتاب فلسطينيين وعرب وأجانب،فكانت النتائج عكس ما أراد.
وبعد قيام السلطة الفلسطينية في العام 1994 انفرجت الأمور قليلا، فلم تعد رقابة على الصحف والمطبوعات، لكن في نفس الوقت لم تعد هناك دور نشر محايدة، صحيح أن هناك دور نشر تديرها مؤسسات غير حكومية مدعومة من جهات أجنبية، وغالبيتها متخصص في نشر كتابات الأطفال، وضمن شروط معينة يمليها الممولون، كما أن هناك دورا للنشر تنشر على حساب الكاتب، وتستحوذ بالمبيعات، ولدار الشروق في رام الله دور واضح في نشر بعض الكتابات المحلية والعربية والمترجمة، لكن يبدو ان تلك الدار لها ظروفها المادية الخاصة التي لا تمكنها من نشر جميع ما يقدم اليها.
لكن اللافت هو منشورات بعض المؤسسات الثقافية، التي تخضع للمحسوبيات الشخصية والتنظيمية، ومراكز القوى المتنفذة.
وأزمة النشر تجلت في العام 2009 عام القدس عاصمة الثقافة العربية، حيث اعلنت وزيرة الثقافة السابقة السيدة تهاني ابو دقة أنه سيتم نشر كتاب في كل يوم من نفس العام، وانتهى العام وما نشر لم يزد عن بضع عشرات من الكتب، وحتى وزارة الثقافة نفسها لا تنشر الا بضعة كتب في السنة الواحدة، لعدم وجود ميزانيات مخصصة لذلك، فنصيب وزارة الثقافة هو الأقل حظا من بين وزارات السلطة، كحال شبيهاتها في الدول العربية، ومنشوراتها ايضا تخضع للمحسوبية أيضا، وللتذكير فقط فإن أول رواية فلسطينية معاصرة عن القدس طبعت في القاهرة ولم تصل الى الاراضي الفلسطينية، والجميع يعرفون ما للثقافة من دور في النهوض بالشعوب، في مختلف المراحل التاريخية، ودورها بالتأكيد أكبر في زمن الهزائم العسكرية والسياسية، وما يصاحبها من هزائم اقتصادية، وتردٍ في الاوضاع الصحية والتعليمية والاجتماعية، لكن لا أحد يعمل من أجل دعم الثقافة المحلية.
ومن هنا فإن الضرورة تملي ضرورة وجود دار نشر وطنية، لتكون أحد الأعمدة الرئيسة في بناء مشروعنا الثقافي، وعليها أن تأخذ مسافات واحدة من كل الكتاب والمفكرين والباحثين، دون النظر الى انتماءاتهم السياسية والفكرية، وأن يكون لها شبكة توزيع تصل الى كافة المدن والقرى والمخيمات والتجمعات السكانية، وأن توزع من مطبوعاتها على كافة المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية، وأن تكون أسعارها زهيدة وفي متناول الجميع.
جميل السلحوت
 
Posts: 290
Joined: Sat Jan 24, 2009 2:30 pm


Return to Events / أحداث هامة

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 3 guests

cron