سحر الموجي:نعمات البحيري.. سلام

سحر الموجي:نعمات البحيري.. سلام

Postby montada » Wed Nov 05, 2008 5:19 pm

المصري اليوم 27/10/2008

رحلت في صمت نعمات البحيري، صاحبة اليوميات المشعة. رحلت في صمت وهدوء بعد أن عاشت مخلصة كامل الإخلاص للكتابة. لحظة علمي بنبأ رحيلها انفتحت أبواب ذاكرتي، وامتزجت صورتها كما رأيتها آخر مرة في فبراير الماضي (وقت انعقاد مؤتمر الرواية بالمجلس الأعلي للثقافة) مع سطور ومشاهد من روايتها البديعة »يوميات امرأة مشعة«.

تقول نعمات في مفتتح الرواية »يحدث دائما أن يمرض الإنسان وتتعدد الأسباب، ربما الفقر أو القهر أو (شغل) الجينات وعوامل الوراثة في جسده دون أجساد الآخرين الحاملين نفس الجين، وربما لمجمل الضغوط النفسية التي تمارس عليه،خاصة حين يكون كاتبا تتراوح أمامه الحياة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، بين كبت وحرية وفقر ورغد وديكتاتورية وديمقراطية...

وخاصة حين تكون كاتبة امرأة في مجتمع تتراجع عنه نوافذ وأبواب العقل التي فتحها من قبل، فتنسحب الشمس وكذلك القمر وكل منجزات سنوات المد والتغيير والتطوير«.

تتناول »يوميات امرأة مشعة« (مكتبة الأسرة ٢٠٠٦) صدمة معرفة الإصابة بالمرض ثم تقبُّله والتعامل معه فيستلقي بين يدي القارئ نص جميل يحتفي بالحياة، ويؤكد قيمتها في نفس لحظة انسحابها. تتحول الحالة المعنوية للبطلة إلي بطل النص، وتصبح الكتابة »أهم طرق المقاومة« كما تصرح الكاتبة/ البطلة. في ردهات مستشفي الأورام تلك »المتاهة الكبيرة التي تشبه بيت جحا لكن بشروط العصر« نسير مع نعمات البحيري، نري برود »الكهنة«.

هؤلاء الأطباء الذين لا يُطلعون المريض علي أسرارهم، ونري نساء بلا أثداء، ونساء يشتكين من غلاء كوب الشاي في المستشفي. كما أن الكاتبة تأخذ القارئ في رحلة موازية في ردهات الذاكرة: الأم التي تخفي عنها البطلة خبر المرض خوفا عليها، الأب الذي لم تتوافق معه أبدا، الأصحاب الحاضرون في الأزمة والمخففون من أثرها المأساوي، النشأة الأولي حيث الفقر بطل أساسي وهذا التحدي الذي جعل البطلة تصر علي الحصول علي مؤهل عال ولا تكتفي بالدبلوم الذي أراده أبوها لها، بل أن تكون كاتبة.

تتزامن لحظات الخضوع للآلات الضخمة المخيفة مع لحظات انطلاق الخيال: »ضيق المكان أجج سعة الخيال، فتخيلت أنني أتنفس خارجه ربما في فضاء أوسع، كما سمح لهوس الذكريات أن يمخر عباب البحور القديمة ويأتي بقلاع الدهشة«.

ويظل قارئ يوميات نعمات في حركة الذهاب والإياب بين اللحظات الشعرية الناعمة التي تفيض بالإنسانية ولحظات الألم، بينما الأمل يغزل نفسه في الرواية بخيوط شفافة قوية.

ورغم أنها رواية عن رحلة المرض والعلاج إلا أنها تفيض بعشق الحياة والتأكيد علي قيمتها. وذاتية النص لا تنفي حضور مصر التي »يتم سرطنتها«. تخبرنا نعمات عن الرجل الريفي الذي قابلته في معهد الأورام والذي اشتكي لها من قسوة الروتين، كأن قسوة المرض لا تكفي. »بيقولوا إنك كاتبة.... أمانة لو شفتي وزير الصحة قولي له مش كفاية علينا المرض..

كمان قهر الموظفين والموظفات«.. الفلاح الفقير لا يدري أن السرطان جاء أصلا نتيجة تراكم القهر طبقات كالطبقات الجيولوجية علي الروح والجسد.. وقمع الروح يدفع عنه الجسد الفاتورة كاملة.

رحلت نعمات البحيري إلي عالم رحب منير تخلصت فيه من أوجاع البدن ومن قمع الروح. لا عقاقير كيماوية أو أجهزة تفترس الجسد وهي تعالج، ولا أصحاب يوجع رحيلهم عن دنيانا، أو يدمينا رحيلنا عنهم. لا ندم علي انسحاب الشمس والقمر وكل منجزات المد والتغيير. رحلت نعمات إلي عالم السلام المطلق.

لكن لم يذهب من نعمات البحيري إلا الجسد الذي حملها عمرا وأتعبها أعواما. وما بقي هو الكتابة كإحدي طرق مقاومة الموت. بقيت كل المجموعات القصصية والروايات وكتب الأطفال التي بدأت نشرها منذ عام ١٩٨٤، كما بقي مثال لامرأة صاحبت الكتابة وآمنت بها وطنا وظلت وفية لها حتي نفسها الأخير.
montada
Site Admin
 
Posts: 123
Joined: Fri Oct 20, 2006 5:13 am


Return to Events / أحداث هامة

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 3 guests

cron